أخبار عاجلة

روسيا تتمدد في مدغشقر عبر “فيلق أفريقيا”.. أسلحة وطائرات مسيّرة ونفوذ سياسي يثير القلق

سحر رجب

تشهد  مدغشقر بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق في أكتوبر عام 2025 تصاعداً ملحوظاً في الحضور العسكري الروسي داخل الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي ، مع تكثيف موسكو دعمها الأمني والعسكري للسلطات الانتقالية عبر تزويد الجيش بأسلحة متنوعة تشمل بنادق كلاشينكوف والطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة، إلى جانب برامج تدريب وإشراف ميداني تنفذها عناصر من ، الذي يُنظر إليه بوصفه الامتداد الجديد لمجموعة في القارة الأفريقية.

ويأتي هذا التحرك ضمن استراتيجية روسية أوسع لتعزيز نفوذها في أفريقيا عبر دعم الأنظمة العسكرية والسلطات الانتقالية، وتوسيع شراكاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على النفوذ داخل القارة، خصوصاً في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية والثروات المعدنية الاستراتيجية.

عبر تعاون عسكري وأمني واسع تقوده موسكو من خلال “فيلق أفريقيا”، الذراع الجديدة التي ورثت نفوذ مجموعة فاغنر الروسية في القارة السمراء.

ومع تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والمدربين الروس إلى العاصمة أنتاناناريفو، تتزايد المخاوف داخل الأوساط المدنية من تحوّل البلاد إلى ساحة نفوذ روسية جديدة، على غرار ما حدث في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو.

شحنات أسلحة روسية تصل إلى مدغشقر

في الأول من أبريل 2026، شهد معسكر عسكري في منطقة إيفاتو مراسم تسليم معدات عسكرية روسية متطورة للقوات المسلحة الملغاشية، شملت مركبات مدرعة مجنزرة من طراز BMP-3، وطائرات بدون طيار، وأسلحة خفيفة، ومعدات حماية عسكرية.

وأكدت السفارة الروسية في مدغشقر أن هذه المساعدات تأتي في إطار “تعزيز القدرات الدفاعية لمدغشقر”، بينما حضر مراسم التسليم الرئيس الانتقالي العقيد ميخائيل راندريانيرينا الذي وصل إلى السلطة بعد احتجاجات واسعة وانقلاب قاده الجيش.

ويرى مراقبون أن حجم ونوعية الأسلحة الروسية المرسلة يتجاوز احتياجات الأمن الداخلي التقليدية، خصوصاً مع تسليم طائرات “كاميكازي” مسيّرة ومعدات هجومية متطورة، الأمر الذي يعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة العلاقة بين موسكو ومدغشقر.

“فيلق أفريقيا”.. النسخة الجديدة من فاجنر

النفوذ الروسي المتنامي في مدغشقر يرتبط بشكل مباشر بـ فيلق أفريقيا، وهو التشكيل شبه العسكري الذي حلّ عملياً محل مجموعة فاغنر بعد إعادة هيكلة النفوذ الروسي في أفريقيا.

ووصل وفد روسي يضم نحو 40 شخصاً إلى مدغشقر في ديسمبر 2025، على متن طائرة تابعة لوزارة الدفاع الروسية تخضع لعقوبات أمريكية، بحسب تقارير دولية.

وتحدثت مصادر إعلامية عن أن الوفد كان يقوده أندريه أفريانوف، الذي يُعتقد أنه أحد أبرز قادة “فيلق أفريقيا”.

وتشير المعلومات إلى أن روسيا سلّمت الحرس الرئاسي الملغاشي طائرات مسيّرة هجومية من طراز “بوميرانغ”، إضافة إلى بنادق كلاشينكوف ومسدسات وأجهزة تشغيل وتحكم بالطائرات بدون طيار.

مدربون روس يدربون الجيش الملغاشي

في يناير 2026، أعلنت السلطات الانتقالية في مدغشقر بدء برنامج تدريبي عسكري بإشراف مدربين روس، حيث تم نشر نحو 140 مدرباً لتأهيل وحدات الجيش والحرس الرئاسي.

وشملت التدريبات: تشغيل الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية، وتدريبات القنص والاستطلاع، وتكتيكات الهجوم والهندسة العسكرية، واستخدام طائرات “الكاميكازي” المسيرة، وتدريبات على حرب المدن والعمليات الخاصة.

وظهرت صور متداولة لمدربين روس ملثمين إلى جانب جنود ملغاشيين خلال تدريبات عسكرية مكثفة، فيما تحدثت وسائل إعلام روسية عن إشراف مباشر من عناصر “فيلق أفريقيا” على تلك الدورات.

ويرى محللون أن هذا الحضور العسكري الروسي يعكس رغبة موسكو في بناء شريك أمني طويل الأمد داخل المحيط الهندي، خاصة في ظل تزايد التنافس الدولي على الممرات البحرية الحيوية.

لماذا تهتم روسيا بمدغشقر؟

تمثل مدغشقر أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة لروسيا لعدة أسباب:

 الموقع الجغرافي الاستراتيجي

تقع الجزيرة قبالة قناة موزمبيق، أحد أهم الممرات البحرية المستخدمة لنقل التجارة والطاقة العالمية، خاصة مع اضطرابات البحر الأحمر والتوترات في الشرق الأوسط.

 الثروات الطبيعية

تملك مدغشقر احتياطيات ضخمة من: الذهب، والنيكل،

والكوبالت ، والجرافيت ، والمعادن النادرة، وهي معادن أساسية في الصناعات التكنولوجية والبطاريات والطاقة النظيفة، ما يجعلها هدفاً للقوى الدولية.

 توسيع النفوذ الروسي في أفريقيا

تسعى موسكو منذ سنوات إلى تعزيز حضورها في أفريقيا عبر: التعاون العسكري، وصفقات السلاح، والدعم الأمني، والحملات الإعلامية.

النفوذ السياسي والثقافي

وتعتبر مدغشقر نقطة استراتيجية جديدة ضمن هذا التمدد الروسي المتسارع.

مخاوف من عسكرة البلاد

رغم حديث السلطات عن “شراكة استراتيجية”، تتصاعد الانتقادات داخل المجتمع المدني في مدغشقر، وسط تساؤلات حول جدوى هذا الحشد العسكري في بلد يعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية حادة.

ويؤكد ناشطون أن الأولويات الحقيقية للسكان تتمثل في: توفير الكهرباء، وتحسين البنية التحتية، ومكافحة الفقر،

ومواجهة أزمة المياه، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية.

بينما يرى منتقدون أن الحكومة الانتقالية تستخدم الدعم الروسي لتعزيز قبضتها الأمنية وحماية السلطة من أي اضطرابات أو محاولات انقلاب جديدة.

كما أثارت صور حراس أجانب يرافقون مسؤولين كباراً، بينهم رئيس الجمعية الوطنية، جدلاً واسعاً، بعد اتهامات باستخدام “مرتزقة روس” للحماية الشخصية.

نفوذ إعلامي وسياسي متصاعد

التمدد الروسي في مدغشقر لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري فقط، بل بدأ يشمل الإعلام والسياسة والثقافة، فبحسب تقارير محلية ودولية:

حصلت روسيا على مساحة بث في الإذاعة الوطنية، وتوسع نفوذ وسائل إعلام موالية لموسكو، وتأسس حزب سياسي جديد موالٍ لروسيا تحت اسم “الصحوة الوطنية لمدغشقر الموحدة”، وتنشط منظمات تحمل أسماء مثل “أصدقاء روسيا في مدغشقر” داخل دوائر السلطة.

ويحذر مراقبون من أن هذا التغلغل المتعدد الأبعاد قد يعيد رسم السياسة الخارجية للبلاد، ويُبعدها تدريجياً عن النفوذ الأوروبي والغربي التقليدي.

هل تتحول مدغشقر إلى قاعدة نفوذ روسية جديدة؟

يرى خبراء في الشؤون الأفريقية أن ما يحدث في مدغشقر يعكس استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في أفريقيا.

ومن خلال الجمع بين: الدعم العسكري، والحماية الأمنية،

والنفوذ الإعلامي، والعلاقات السياسية، والاستثمارات الاقتصادية.

تحاول موسكو بناء نموذج نفوذ جديد يقوم على دعم الأنظمة الانتقالية والعسكرية مقابل تعزيز مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.

لكن يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع مدغشقر تحقيق توازن بين حاجتها إلى الدعم الأمني والحفاظ على سيادتها السياسية، أم أن الجزيرة تتجه تدريجياً نحو ارتهان طويل الأمد للنفوذ الروسي؟

عن وجه افريقيا