أخبار عاجلة

سباق النفوذ في الساحل الأفريقي

وجدي عبد العزيز –

في صباح يوم 9 مايو 2026، أقلعت الطائرة الرئاسية الفرنسية من مطار أورلي متجهة إلى الإسكندرية، حاملةً الرئيس إيمانويل ماكرون في جولة أفريقية هي الثالثة من نوعها خلال عام واحد، لكنها ربما الأكثر دلالة على حالة “الذعر الدبلوماسي” التي تعيشها باريس إزاء أفريقيا.

العنوان الرسمي للجولة كان براقاً: “شراكة متجددة مع أفريقيا”، بقلب نابض هو قمة “Africa Forward” في نيروبي، ولأول مرة في بلد ناطق بالإنجليزية، في رسالة أرادت باريس من خلالها إعلان ميلاد علاقة جديدة خالية من إرث الاستعمار.

لكن خلف الكواليس، كان الجميع يعرف الحقيقة: هذه الجولة لم تكن انطلاقة، بل كانت محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قارة باتت تطرد القوات الفرنسية واحدة تلو الأخرى، وتغلق سفاراتها، وتستقبل بدلاً من ذلك أعلاماً صينية وروسية وإيرانية وتركية.

والأكثر إحراجاً أن هذه الجولة تزامنت مع تطورات دراماتيكية في مالي، ذلك البلد الذي كان قلب “غرب أفريقيا الفرنسية” سابقاً، والذي بات اليوم ساحة حرب بالوكالة بين باريس وموسكو، وبين الجيش المالي وقوات الطوارق المدعومة من الغرب.

فبينما كان ماكرون يتحدث في القاهرة عن “الفرانكفونية مشروع كوني عظيم”، كانت وزارة الخارجية الفرنسية تصدر من باريس بياناً عاجلاً يحث جميع الفرنسيين في مالي على المغادرة فوراً، وسط هجمات غير مسبوقة للقوات المتمردة التي استعادت السيطرة على مدن استراتيجية مثل كيدال وقتلت وزير الدفاع المالي.

فكيف يمكن فهم هذا التناقض؟ ولماذا يتحدث ماكرون عن “شراكة متجددة” في نيروبي بينما تتساقط آخر جيوب النفوذ الفرنسي في باماكو وواجادوجو ونيامي؟ هذا التقرير هو محاولة لرسم خريطة السباق المحموم على النفوذ المالي والسياسي في الساحل الأفريقي، حيث يتصارع خمسة لاعبين كبار (فرنسا وأمريكا وأوروبا من جهة، وروسيا والصين والهند وإيران من جهة أخرى)، بينما تقف الشعوب المحلية تتفرج على مشهد لا تعرف إن كان يصب في مصلحتها أم يزيدها فقراً وتبعية تحت مسميات جديدة.

أولاً: من أين بدأت القصة؟ – كيف كان الغرب يسيطر على “محفظة” الساحل؟

لكي نفهم حجم التغيير الذي يشهده الساحل اليوم، والمذلة الدبلوماسية التي تعيشها فرنسا في جولاتها الأفريقية الأخيرة، يجب أن نتذكر كيف كانت القواعد القديمة للعبة.

لعقود طويلة، لم يكن الساحل مجرد منطقة نفوذ للغرب، بل كان حساب توفير مضمون العائد، وذلك بفضل ثلاث آليات محكمة:

عملة الفرنك الأفريقي

14 دولة أفريقية، بينها دول الساحل، عملتها مرتبطة باليورو، ونصف احتياطياتها من العملات الصعبة مجمدة في حساب الخزانة الفرنسية. هذا يعني أن مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو لم تكن تملك السيطرة الكاملة على سياساتها النقدية، بل كانت باريس هي من يحدد قيمة عملتها فعلياً.

القروض المشروطة

صندوق النقد والبنك الدوليان (المسيطر عليهما غربياً) كانا يقدمان قروضاً بشروط صارمة: خصخصة الشركات العامة، تحرير الأسواق، تقليص دعم المواد الأساسية. وكأنهما يقولان للحكومات الأفريقية: “نعطيكم المال، لكننا نقرر كيف تنفقونه”.

 المساعدات الأمنية كغطاء

تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، نشرت فرنسا قواتها في مالي (عملية سرفال 2013، ثم برخان 2014)، مدعية أنها تحمي المنطقة من الجماعات الجهادية. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع اليوم أن هذه العمليات كانت أيضاً غطاءً للحفاظ على النفوذ الاقتصادي والسياسي، وتأمين وصول الشركات الفرنسية إلى الذهب واليورانيوم والمنغنيز بأسعار تفضيلية.

هكذا كان العقد غير المكتوب

فرنسا تحمي الأنظمة الحليفة وتوفر الأمن، وفي المقابل، تلك الأنظمة تظل موالية لباريس في المحافل الدولية وتفتح أسواقها للشركات الفرنسية. لكن هذا العقد بدأ يتهاوى مع أول انقلاب في مالي (2020)، ثم توالت سقوط الدومينوهات: بوركينا فاسو (2022)، النيجر (2023). ومع كل انقلاب، كان العلم الفرنسي يُنزل من على السفارات، ويحل محله علم روسي.

ثانياً: انفجار مالي – النموذج المصغر للصراع الكبير

قبل أيام قليلة من صعود ماكرون إلى منصة قمة “Africa Forward” في نيروبي، كان المشهد في مالي يكتب فصلاً جديداً ومؤلماً في قصة الصراع على النفوذ. ففي أواخر أبريل 2026، شنت “جبهة تحرير أزواد” (FLA)، وهي تحالف من الطوارق والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، هجوماً واسعاً هو الأكبر منذ 15 عاماً، واستعادت السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية شمال البلاد.

لكن الضربة الأكثر إيلاماً كانت اغتيال وزير الدفاع المالي، العميد ساديو كامارا، الذي كان يُعتبر العقل المدبر لتحالف المجلس العسكري الحاكم مع روسيا وقطيعة العلاقات مع فرنسا. في بيان ناري، أعلن المتحدث باسم الجبهة أن هدفهم النهائي هو “طرد الروس من أزواد، وإسقاط النظام الحاكم في باماكو عاجلاً أم آجلاً” ومطالبة “باستسلام فوري للقوات الروسية” التي تكبدت خسائر مؤكدة.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من يقف وراء هذه التطورات؟

في تصريح لافت، أعلن المتحدث باسم FLA أنه سيلتقي مسؤولين أمنيين فرنسيين في باريس، مما أثار تكهنات واسعة حول تورط استخباراتي غربي في تحريك هذه الجماعات ضد الجيش المالي وحلفائه الروس.

والأكثر دراماتيكية أن وزارة الخارجية الفرنسية أصدرت بياناً عاجلاً تحث فيه جميع الرعايا الفرنسيين في مالي على المغادرة فوراً، ورفعت تصنيف البلاد إلى “المنطقة الحمراء” (ممنوع السفر إليها)، مما دفع السفارة الفرنسية في باماكو إلى تعليق إصدار التأشيرات، وردت عليها حكومة مالي بـ”المعاملة بالمثل” معلقةً إصدار تأشيرات للفرنسيين.

 ما حدث في مالي ليس مجرد مواجهة بين الجيش ومتمردين

إنه انعكاس مصغر لحرب أكبر

روسيا تحاول تثبيت أقدامها عبر قوات “الفيلق الأفريقي” (خليفة فاجنر)، بينما يحاول الغرب (فرنسا وأمريكا) استخدام القوى المحلية (الطوارق) لزعزعة استقرار الحكومات الموالية لروسيا، وكأن الساحل أصبح ساحة حرب بالوكالة جديدة، تضاهي أوكرانيا في تعقيدها.

ثالثاً: اللاعبون الجدد – من يملأ الفراغ الذي خلفه الغرب؟

مع انسحاب فرنسا عسكرياً من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع نفوذها السياسي، ظهر على الساحة أربعة لاعبين كبار، لكل منهم طريقته في شراء النفوذ، ولكل منهم حساباته الخاصة مع شعوب الساحل.

روسيا: “ماكينة الصراف الآلي” المسلحة

روسيا لم تأتِ إلى الساحل بمشاريع تنمية أو مؤسسات دبلوماسية براقة. جاءت بورقة واحدة: النقود الفورية مقابل الذهب، والأمن العسكري مقابل الولاء السياسي.

– في مالي، تولت قوات “فيلق أفريقيا” (البديل الجديد لفاجنر) حماية المجلس العسكري وتدريب قواته، مقابل حصولها على امتيازات في مناجم الذهب. تقارير غربية تتحدث عن دفعات نقدية بالملايين دفعت مباشرة إلى الخزائن الحكومية، دون قروض أو شروط أو انتظار موافقة صندوق النقد.

 في النيجر

بعد طرد القوات الفرنسية مباشرة، ظهر مستشارون روس في قطاع اليورانيوم، وعرضوا شراء الإنتاج بأسعار أعلى من السوق العالمي مقابل السماح لهم بإنشاء قاعدة عسكرية.

 في بوركينا فاسو

روسيا مولت مصفاة لتكرير الذهب لتحويل المعدن الخام إلى سبائك، متجاوزة بذلك الممرات المالية السويسرية الخاضعة للغرب.

فروسيا لا تقدم قروضاً بالمعنى التقليدي. إنها تشتري أصولاً وتدفع نقداً. لكن الثمن أن الحكومات العسكرية تصبح في قبضة الكرملين، وأي محاولة للتمرد على هذه الشراكة قد تكلفها الكثير.

 

الصين: البنية التحتية كرهن استراتيجي

الصين لعبت لعبة مختلفة: لم تأتِ بالجنود، بل بالمهندسين والممولين. استراتيجيتها تعتمد على مشاريع ضخمة تخلق تبعية اقتصادية طويلة الأجل.

– في موريتانيا، مولت منجم حديد عملاق وخط سكة حديد، والقرض يُسدد من عائدات بيع الحديد إلى الصين نفسها، أي أن الأموال لا تغادر الدائرة الصينية-الموريتانية أبداً.

– في النيجر، بنت مصفاة نفط ومحطة كهرباء بقروض تجاوزت ملياري دولار، مقابل حصة في حقل نفط تينيري.

– في تشاد، أعادت هيكلة ديون بمليار دولار عندما وافقت نجامينا على استخدام موانئ وممرات لوجستية تخدم المصالح الصينية في وسط أفريقيا.

فأصبحت الصين هي “المهندس الصامت” للتبعية الجديدة. لا تطالب بديمقراطية ولا حقوق إنسان، فقط توقع عقوداً: “نحن نبني لك طريقاً، أنت تدفع لنا بالذهب على مدى 30 عاماً”. الساحل الغارق في الديون يجد متنفساً، لكنه يجد نفسه محاصراً أيضاً.

الهند: الصيد في الماء العكر بذكاء

الهند تدرك أنها ليست قوة عظمى مثل الصين أو روسيا، لذا لعبت بورقة “الخيار الأقل أذية”: قروض بفوائد منخفضة، تمويل دوائي شبه مجاني، تدريب تقني دون مطالب سياسية.

 في مالي وبوركينا فاسو

فتحت خطوط ائتمان بقيمة 500 مليون دولار لشراء الأدوية والمعدات الزراعية من الهند، بشرط أن تكون 30% من العقود لشركات هندية (أي يقرضونك لتشتري منهم، لكن الساحل لا يمانع طالما البضاعة تصل).

 في النيجر

مولت شبكة اتصالات ريفية، وفي تشاد، قدمت منحاً تدريبية للشباب في معاهد التكنولوجيا الهندية.

 بعد الحرب الأوكرانية

أصبحت الهند ممولاً رئيسياً للقمح في الساحل، حيث قدمت قمحاً بسعر مدعوم وتسهيلات دفع لمدة 3 سنوات، متجاوزة بذلك الإجراءات الأوروبية الصارمة.

أصبحت الهند تقوم بدور “العم الثري المتواضع”، فهي لا تريد قواعد عسكرية، ولا امتيازات تعدينية، فقط تريد أسواقاً لمنتجاتها ونافذة لنفوذها الدبلوماسي. الكثير من مسئولي الساحل يفضلونها لأنها “الأقل طلباً والأكثر فعالية”.

إيران: اللاعب الخفي تحت الطاولة

يعتبر الدور الإيراني هو الأغرب والأكثر سرية. إيران لا تملك سيولة نقدية مثل الصين أو روسيا، لكنها تمتلك جغرافيا بديلة ونظاماً مالياً خارج سيطرة الغرب.

– عبر “طريق الحرير الإيراني-الساحلي” الممتد من طهران إلى الجزائر فالساحل، أصبحت إيران وسيطاً لتهريب الوقود المدعوم إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مما وفر لهذه الدول مصدراً للطاقة بأقل من نصف سعر السوق العالمي.

– تقدم إيران خطوط ائتمان بعملات صعبة (كالريال الإيراني واليوان الصيني عبر اتفاقيات مبادلة) لدول الساحل مقابل دعم دبلوماسي في الأمم المتحدة وفتح سفارات.

– الأهم: النظام المالي الإيراني يعمل خارج نظام “سويفت” العالمي (الخاضع للغرب)، مما يسمح لدول الساحل بتلقي تحويلات مالية لا تراقبها واشنطن ولا باريس.

وهكذا فإن إيران تعتبر هي “اللاعب الذي لا يظهر في تقارير البنك الدولي لكنه موجود في عقود الوقود المهرب”. ليس منافساً رئيسياً، لكنه كافٍ لإزعاج الغرب وإثبات أن الساحل لم يعد حكراً على أحد.

رابعاً: ماذا يعني هذا كله لشعوب الساحل؟

ربما تتساءل الآن: كل هذه الصراعات المالية، هل تعني شيئاً للمواطن العادي في باماكو أو واجادوجو أو نيامي؟

الجواب المعقد: لا ونعم في آن واحد.

– المنظور الإيجابي: وجود منافسين جدد يعني أن الحكومات العسكرية لم تعد مجبرة على الخضوع للشروط الغربية. يمكنها الاقتراض من الصين، بيع الذهب لروسيا، شراء القمح من الهند، وتهريب الوقود عبر إيران. هذا يعطي هامش مناورة لم يكن موجوداً في عصر الهيمنة الفرنسية الأحادية.

– المنظور السلبي: معظم هذه التدفقات المالية لا تصل إلى المواطن العادي. الذهب يخرج، واليورانيوم يباع، والديون تتراكم، لكن الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، صحة، تعليم) لا تتحسن بالسرعة المطلوبة. الفساد لا يقل، والفقر لا ينحسر، والمشكلة أنه في عصر المنافسين المتعددين، أصبح من السهل إلقاء اللوم على “العدو الخارجي” بدلاً من محاسبة الحكومات المحلية.

سباق بلا فائز واضح

نعود إلى جولة ماكرون الأفريقية. بينما كان الرئيس الفرنسي يوقّع اتفاقيات استثمارية في نيروبي ويتحدث عن “الشراكة المتجددة”، كانت سفارة فرنسا في باماكو تفرغ من موظفيها، وكانت قوات “فيلق أفريقيا” الروسي تتلقى ضربات قاسية في شمال مالي، وكانت الحكومة الانتقالية المالية تعلق تأشيرات الدخول للمواطنين الفرنسيين.

هذه المفارقة هي خلاصة المشهد الأفريقي اليوم، فالغرب لم يعد قادراً على فرض إرادته، لكنه لا يزال غنياً بما يكفي لمحاولة شراء النفوذ بأشكال جديدة. والشرق (روسيا والصين والهند وإيران) يقدم بدائل، لكن بدائل غالباً ما تكون أكثر ظلامية وأقل شفافية.

في النهاية، الرابح الحقيقي غير موجود، هناك فقط محاولات يائسة من الجميع لعدم الخسارة، وشعوب الساحل، التي كانت ألعوبة في يد القوى الكبرى لعقود، تجد نفسها اليوم ألعوبة في أيدي أكثر من لاعب، الفارق الوحيد هو أن اللعبة أصبحت أكثر تعقيداً، وأكثر دموية، وأكثر تكلفة على الجميع.

عن وجه افريقيا