سحر رجب
تتواصل تداعيات تصريحات رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، التي اتهم فيها أطباء بتقديم معلومات عسكرية، وسط موجة انتقادات متصاعدة من الأوساط الطبية والحقوقية، وتحذيرات من خطورة الزج بالقطاع الصحي في أتون الصراع.
ففي بيان شديد اللهجة، أدان المرصد المركزي لحقوق الإنسان هذه التصريحات، معتبراً أنها تمثل تقويضاً لمبدأ الحياد الطبي، وتسعى لإقحام الكوادر الصحية في مسارات التحشيد العسكري والسياسي، بما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأكد المرصد أن العاملين في القطاع الصحي يضطلعون بدور إنساني بحت، مشيراً إلى أن 173 كادراً طبياً قُتلوا نتيجة الاستهداف المباشر، فيما سُجلت أكثر من 200 هجمة على المرافق الصحية بين أبريل 2023 وديسمبر 2025، أسفرت عن سقوط أكثر من 2000 ضحية، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.
من جانبها، عبّرت شبكة أطباء السودان عن قلقها البالغ إزاء تصوير الأطباء كأطراف في الحرب، مؤكدة أن مثل هذه التصريحات تعرض حياة المئات من الكوادر الصحية لخطر جسيم، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الأمنية.
وفي سياق متصل، لم ينجح الاعتذار الذي قدمه البرهان لاحقاً في احتواء الغضب المتصاعد داخل الأوساط الطبية.
إذ رأى أطباء أن هذا الاعتذار جاء متأخراً وتحت ضغط دولي، وافتقر إلى الوضوح والمساءلة، حيث لم يسمِّ الانتهاكات بمسمياتها، واكتفى بوصفها بـ”الغلظة”، في إشارة إلى حوادث القتل والترويع والخطف التي طالت الكوادر الطبية.
واعتبر منتقدون أن هذا التوصيف يقلل من خطورة ممارسات موثقة على الأرض، خاصة في ظل اتهامات طالت عناصر من القوات النظامية وفصائل مسلحة مرتبطة بالحركة الإسلامية بالمشاركة في تلك الانتهاكات، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وحجم الأضرار الفعلية.
تسييس القطاع الصحي
وفي مفارقة لافتة، تزامن الاعتذار مع نفي رسمي لاستهداف المؤسسات الصحية، ما يعمّق التناقض بين الرواية السياسية والوقائع الميدانية.
كما أن إشادة البرهان بدور بعض الأطباء، مقرونة بالإشارة إلى مساهمتهم في تقديم معلومات عسكرية عن تحركات قوات الدعم السريع، تثير مخاوف من تسييس العمل الطبي واستغلاله في العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن هذا التداخل بين الدور الإنساني والوظيفة العسكرية يهدد بتقويض الثقة في المنظومة الصحية، ويجعل من المستشفيات ساحة محتملة للاستهداف، في انتهاك صارخ لمبادئ الحماية الدولية.
خسائر ثقيلة وانتهاكات متكررة
تعكس الأرقام حجم الكارثة التي يواجهها القطاع الصحي في السودان، حيث تشير تقديرات نقابية إلى مقتل أكثر من 200 كادر طبي وإصابة المئات، إلى جانب تدمير آلاف المرافق الصحية.
كما وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الهجمات على منشآت الرعاية الصحية، في واحدة من أخطر الأزمات التي تضرب النظام الصحي في البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذر خبراء القانون الدولي من أن أي تورط للعاملين في القطاع الصحي في أنشطة عسكرية أو استخباراتية، أو استهدافهم بسبب ذلك، يمثل خرقاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية صارمة للكوادر الطبية ويشدد على حيادها.
وبين الاتهامات الرسمية والاعتذارات المتأخرة، يظل القطاع الصحي في السودان عالقاً في قلب الصراع، يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد بقاءه، وتضع حياة الملايين على المحك، في ظل غياب ضمانات حقيقية لحمايته أو تحييده عن الحرب.