شريف مكاوي
يثير عمل الطيارين في الرحلات الجوية الطويلة تساؤلات عديدة حول كيفية الحفاظ على اليقظة والتركيز لساعات متواصلة، خاصة في ظل مسؤولية تتعلق بسلامة مئات الركاب على متن الطائرة.
تعتمد شركات الطيران حول العالم على منظومة صارمة من القواعد والإجراءات لضمان جاهزية الطيارين قبل الإقلاع، يأتي في مقدمتها تحديد حدود دقيقة لنسبة الكحول في الدم، إلى جانب الفحوصات العشوائية والعقوبات المشددة التي قد تصل إلى تعليق أو إلغاء رخصة الطيران، فضلاً عن المساءلة القانونية في بعض الحالات.
وتختلف اللوائح من دولة إلى أخرى؛ ففي المملكة المتحدة يُسمح بنسبة كحول لا تتجاوز 0.02% في الدم، مع إجراء اختبارات عشوائية دورية خلال عمليات التفتيش. أما في الولايات المتحدة فتصل النسبة المسموح بها إلى 0.04%، مع إلزام الطيارين بالانتظار 8 ساعات على الأقل بعد تناول الكحول قبل العمل، مع توصيات بامتداد المدة إلى 24 ساعة لضمان السلامة الكاملة.
وفي الهند، تتبع السلطات سياسة صارمة تقوم على “صفر تسامح”، حيث يُشترط الامتناع عن الكحول لمدة لا تقل عن 12 ساعة قبل الرحلة، مع ضرورة أن تكون نتيجة اختبار التنفس 0.00% قبل الإقلاع، وغالبًا ما تُجرى الفحوصات أمام الكاميرات لضمان الشفافية.
ويقول بيت هاتشيسون، قائد تدريب متقاعد في شركة “فيرجن أتلانتيك”، إن الالتزام بسيط لكنه حاسم: “كنت أمتنع تمامًا عن الكحول قبل الرحلات، حتى في الحالات التي تبدو فيها المدة كافية، وكنت أطلب من طاقمي فعل الشيء نفسه لضمان أعلى درجات السلامة”.
ورغم الضغوط الكبيرة التي يواجهها الطيارون، تشير بيانات حديثة إلى أن صناعة الطيران تُعد من أكثر وسائل النقل أمانًا في العالم، بفضل التدريب الصارم والتحديث المستمر للإجراءات.
كما توفر شركات الطيران برامج دعم نفسي وصحي للطيارين، تشمل استشارات سرية وإدارة التوتر، إضافة إلى برامج دعم الأقران لمساعدتهم على التعامل مع ضغوط العمل المستمرة.
وفي دراسة فرنسية عام 2025، تبين أن نحو 25% من الطيارين الأوروبيين يعانون من القلق، و13% من الاكتئاب، فيما أظهرت النتائج أن حوالي 40% لديهم درجات متفاوتة من مشكلات مرتبطة بتعاطي الكحول، ما يعكس أهمية الدعم النفسي المستمر لهذه الفئة.
ورغم ذلك، تكشف الإحصاءات الأمريكية حجم الانضباط العالي؛ إذ تم إجراء أكثر من 64 ألف اختبار عشوائي عام 2023، جاءت النتائج الإيجابية في 65 حالة فقط، بنسبة لا تتجاوز 0.001%.
وتؤكد هذه المنظومة الصارمة أن سلامة الطيران ليست مسألة صدفة، بل نتيجة نظام دقيق من الرقابة والتدريب والانضباط، يهدف لضمان يقظة الطيارين واستعدادهم الكامل في كل رحلة جوية.