سحر رجب
في تصعيد لافت يعكس تنامي التوتر بين بعض الدول الإفريقية وواشنطن، اتهمت زامبيا الولايات المتحدة بمحاولة استخدام المساعدات الصحية كورقة ضغط للحصول على امتيازات في قطاع المعادن الاستراتيجية، مؤكدة رفضها “شروطًا غير مقبولة” ضمن اتفاق صحي ضخم كانت واشنطن تسعى لتمويله بقيمة ملياري دولار.
وأعلنت الحكومة الزامبية، للمرة الأولى، تفاصيل الخلاف الذي أدى إلى تعثر المفاوضات مع الجانب الأمريكي، في خطوة أثارت اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الإفريقية، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي على الموارد المعدنية الحيوية في القارة.
زامبيا: واشنطن حاولت ربط الصحة بالمعادن
وقال وزير الخارجية الزامبي مولامبو هايمبي إن بلاده رفضت بعض بنود الاتفاق المقترح بسبب احتوائها على مطالب تتعلق بمشاركة بيانات المواطنين الزامبيين، إضافة إلى منح معاملة تفضيلية لشركات تعدين أمريكية تعمل في قطاع المعادن الاستراتيجية.
وأكد الوزير أن هذه الشروط “تمس السيادة الوطنية” وتتعارض مع مصالح زامبيا، مشددًا على أن الحكومة لن تقبل أي اتفاقات تنتقص من استقلال القرار الوطني أو تمنح امتيازات غير متوازنة للشركات الأجنبية.
كما وصف هايمبي تصريحات السفير الأمريكي بأنها “خبيثة ومؤسفة وغير دبلوماسية”، مضيفًا أن الإيحاء بأن الحكومة الزامبية تعمل ضد مصالح شعبها “أمر مرفوض ويتعارض مع روح الاحترام المتبادل بين الدول”.
المعادن الاستراتيجية محور صراع دولي في أفريقيا
تأتي الأزمة في وقت تتزايد فيه أهمية المعادن الإفريقية، خاصة النحاس والكوبالت والليثيوم والمعادن النادرة، التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة وصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات.
وتُعد زامبيا واحدة من أكبر منتجي النحاس في أفريقيا، كما تمتلك احتياطيات استراتيجية جعلتها محط اهتمام متزايد من الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية تسعى لتأمين سلاسل الإمداد الخاصة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.
ويرى مراقبون أن واشنطن تحاول تعزيز حضورها الاقتصادي في قطاع التعدين الإفريقي لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي داخل القارة، خاصة في الدول الغنية بالموارد الطبيعية.
دول إفريقية ترفض اتفاقات أمريكية بسبب البيانات والسيادة
ولم تكن زامبيا الدولة الوحيدة التي أبدت تحفظات على الاتفاقات الصحية المدعومة من الولايات المتحدة.
فقد انسحبت عدة دول إفريقية من ترتيبات مشابهة بسبب مخاوف تتعلق بحماية البيانات والسيادة الوطنية، إذ رفضت غانا اتفاقًا مماثلًا بدعوى وجود بنود تتعلق بمشاركة البيانات الحساسة.
كما علّقت كينيا تنفيذ اتفاق صحي ضخم بقيمة 2.5 مليار دولار، بعد طعن قضائي اعتبر أن بعض البنود تنتهك قوانين حماية البيانات والخصوصية.
وفي السياق نفسه، كانت زامبيا قد انسحبت سابقًا من اتفاق بقيمة 367 مليون دولار، معتبرة أنه “غير متكافئ” ويثير مخاوف تتعلق بالخصوصية وتبادل المعلومات.
تصاعد الحساسية الإفريقية تجاه النفوذ الخارجي
تعكس هذه التطورات تنامي الحساسية داخل القارة الإفريقية تجاه الاتفاقات المرتبطة بالبيانات والموارد الطبيعية، خاصة مع ازدياد التنافس الدولي على النفوذ الاقتصادي والسياسي في أفريقيا.
وباتت الحكومات الإفريقية أكثر حذرًا في التعامل مع المبادرات الدولية التي تمس قطاعات استراتيجية مثل التعدين والطاقة والصحة الرقمية، وسط دعوات متزايدة للحفاظ على السيادة الوطنية وحماية البيانات المحلية.
ويرى محللون أن الخلاف بين زامبيا والولايات المتحدة قد يشكل مؤشرًا على مرحلة جديدة من العلاقات الإفريقية الغربية، تقوم على إعادة التفاوض حول شروط الشراكة الاقتصادية والتنموية بما يحقق توازنًا أكبر للمصالح.
واشنطن تواجه تحديات في أفريقيا
تأتي هذه الأزمة في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تعزيز حضورها في أفريقيا عبر برامج تنموية وصحية واستثمارات في البنية التحتية والطاقة، في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتصاعد.
لكن تصاعد الانتقادات الإفريقية بشأن شروط بعض الاتفاقات قد يدفع واشنطن إلى إعادة صياغة أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية داخل القارة، خاصة مع تزايد مطالب الحكومات الإفريقية بعلاقات أكثر توازنًا واحترامًا للسيادة الوطنية.


