سحر رجب
في مشهد حمل أبعادًا تاريخية وسياسية وعسكرية، عادت الساحة الحمراء في العاصمة الروسية موسكو لتكون مركزًا للأنظار العالمية مع انطلاق العرض العسكري المهيب بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين للانتصار على ألمانيا النازية وحلفائها في الحرب العالمية الثانية، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدد من القيادات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
الاحتفال الذي يُعرف في روسيا باسم “عيد النصر” لم يكن مجرد مناسبة تاريخية لاستذكار نهاية الحرب الوطنية العظمى، بل تحول هذا العام إلى منصة سياسية واستراتيجية بعثت من خلالها موسكو برسائل متعددة إلى الغرب وأوكرانيا والعالم، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد الاستقطاب الدولي.
استعراض القوة والرمزية التاريخية
مع الساعات الأولى من صباح التاسع من مايو، بدأت وحدات الجيش الروسي بالتحرك داخل الساحة الحمراء يتقدمها حاملو “راية النصر” التاريخية إلى جانب العلم الروسي، في مشهد يستحضر الذاكرة السوفييتية المرتبطة بسقوط برلين عام 1945.
وشهد العرض مشاركة تشكيلات عسكرية مختلفة من القوات البرية والجوية، إلى جانب وحدات شاركت في العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، فيما فرضت السلطات الروسية إجراءات أمنية غير مسبوقة تحسبًا لأي تهديدات محتملة، خاصة بعد التحذيرات المتعلقة بالطائرات المسيّرة والهجمات العابرة للحدود.
ورغم أن العرض العسكري هذا العام جاء أقل من حيث حجم المعدات العسكرية مقارنة ببعض السنوات السابقة، فإن الرسالة الأساسية لموسكو بدت واضحة: روسيا لا تزال قادرة على إظهار قوتها العسكرية والحفاظ على رمزية “النصر التاريخي” باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية الروسية.
يوم النصر مقدس وروسيا موحدة في الدفاع عن الوطن
في كلمته خلال الاحتفال، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن الشعب الروسي ينظر إلى يوم النصر باعتباره “عيدًا مقدسًا”، مؤكدًا أن تضحيات الجنود السوفييت خلال الحرب العالمية الثانية ستظل جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية الروسية.
وقال بوتين إن “حماية الوطن توحد كل روسيا”، معتبرًا أن الإخلاص للوطن يمثل “الحقيقة العليا القادرة على توحيد ملايين المواطنين”، في إشارة واضحة إلى محاولات تعبئة الداخل الروسي خلف القيادة السياسية والعسكرية في ظل الحرب المستمرة مع أوكرانيا.
كما أكد الرئيس الروسي أن “شعب الاتحاد السوفيتي أنقذ العالم من النازية”، مضيفًا أن الجنود الروس قدموا “تضحيات جسيمة من أجل حرية وكرامة شعوب أوروبا”.
ولم تخلُ كلمة بوتين من الرسائل السياسية المرتبطة بالحرب الحالية، إذ أشار إلى أن “الإنجاز العظيم لجيل النصر يلهم المشاركين في العملية العسكرية الروسية الخاصة”، في ربط مباشر بين الحرب العالمية الثانية والصراع الدائر حاليًا في أوكرانيا.
ويرى مراقبون أن الكرملين يواصل استخدام رمزية الحرب الوطنية العظمى لتبرير سياساته العسكرية الحالية، من خلال تصوير الصراع في أوكرانيا باعتباره امتدادًا لمعركة تاريخية ضد “النازية الجديدة”، وهو خطاب أصبح عنصرًا أساسيًا في الرواية الروسية الرسمية منذ بداية الحرب.
“الفوج الخالد”.. الذاكرة الشعبية تتحرك من أقصى الشرق الروسي
بالتوازي مع العرض العسكري في موسكو، شهدت مناطق روسية عدة فعاليات واسعة ضمن تقليد “الفوج الخالد”، حيث يحمل المواطنون صور أقاربهم الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية.
وفي مشهد لافت هذا العام، شهدت منطقة تشوكوتكا الواقعة في أقصى شرق روسيا أول مسيرة لـ”الفوج الخالد” باستخدام مركبات قطبية على الطرق الثلجية الوعرة.
وسارت قوافل المركبات عبر التندرا المغطاة بالثلوج حاملة صور الجنود والمحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب الوطنية العظمى، في رسالة تعكس استمرار حضور الذاكرة التاريخية في مختلف أنحاء روسيا رغم تغير الأجيال.
وقال منظمو الفعالية إن الهدف هو الحفاظ على التاريخ الوطني وإشراك الشباب في تخليد ذكرى الحرب، مؤكدين أن العديد من سائقي المركبات القطبية ينحدرون من عائلات شارك أفرادها في القتال ضد ألمانيا النازية.
ويُنظر إلى “الفوج الخالد” باعتباره أحد أهم المظاهر الشعبية المرتبطة بعيد النصر، حيث تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أداة لتعزيز الهوية الوطنية الروسية وربط الماضي بالحاضر.
روسيا والغرب.. حرب الذاكرة والتاريخ
وفي القاهرة، أكد القائم بأعمال السفارة الروسية في مصر يوري ماتفييف أن ذكرى النصر على النازية ستظل “يوماً مقدساً” لدى الشعب الروسي، مشددًا على أن تضحيات الجيش الأحمر تمثل جزءًا من ذاكرة الإنسانية جمعاء.
واتهم الدبلوماسي الروسي بعض القوى الغربية بمحاولة “تزوير التاريخ” والتقليل من دور الاتحاد السوفيتي في الانتصار على النازية، كما أشار إلى ما وصفه بإحياء “النازية الجديدة” في أوروبا وأوكرانيا.
وتعكس هذه التصريحات تصاعد ما بات يُعرف بـ”حرب الذاكرة”، حيث تتنافس روسيا والغرب على تفسير التاريخ وتوظيفه سياسيًا في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية.
فبينما تؤكد موسكو أنها تخوض معركة ضد التهديدات النازية الجديدة، ترى العواصم الغربية أن الكرملين يستخدم إرث الحرب العالمية الثانية لتبرير عملياته العسكرية وتوسيع نفوذه السياسي.
هدنة مؤقتة ورسائل متبادلة
تزامنت احتفالات عيد النصر هذا العام مع دخول هدنة مؤقتة لمدة ثلاثة أيام حيز التنفيذ بناءً على أوامر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتشمل وقفًا للأنشطة القتالية وتبادل ألف أسير من كل جانب.
إلا أن موسكو اتهمت أوكرانيا بشن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت مدنية ومراكز لإدارة الحركة الجوية في مناطق روسية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وأضرار واسعة، وفق الرواية الروسية.
وفي المقابل، شهدت الساحة السياسية الروسية تصعيدًا لفظيًا بعد تصريحات لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما ليونيد سلوتسكي، الذي أكد أن عرض النصر سيقام “دون الحاجة إلى إذن من أحد”، في رد على تصريحات أوكرانية مرتبطة بالمراسم العسكرية في موسكو.
كما شدد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على أن روسيا “لا تحتاج إلى إذن من أي طرف” للاحتفال بيوم النصر والفخر بتاريخها العسكري.
عيد النصر.. بين القداسة الوطنية والتوظيف السياسي
على مدار العقود الماضية، تحول يوم 9 مايو إلى أحد أهم أركان الهوية الروسية الحديثة، إذ يمثل بالنسبة للروس رمزًا للصمود والانتصار والتضحيات الجماعية.
فالحرب الوطنية العظمى التي خاضها الاتحاد السوفيتي ضد ألمانيا النازية بين عامي 1941 و1945 أسفرت عن مقتل أكثر من 27 مليون شخص من الجنود والمدنيين السوفييت، ما جعل ذكراها حاضرة بقوة في الوعي الروسي.
لكن في السنوات الأخيرة، اكتسب “عيد النصر” بعدًا سياسيًا إضافيًا، خاصة في ظل التوتر المتزايد بين روسيا والغرب.
ويرى محللون أن الكرملين يستخدم هذه المناسبة لتعزيز التماسك الداخلي وتأكيد شرعية سياساته الخارجية، بينما تعتبرها المعارضة الغربية جزءًا من استراتيجية دعائية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية للصراع الحالي.
وفي المقابل، تؤكد موسكو أن إحياء ذكرى النصر ليس مجرد استعراض للقوة، بل دفاع عن “الحقيقة التاريخية” وعن الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي في إنقاذ العالم من النازية.
موسكو بين الماضي والحاضر
ورغم الظروف الأمنية والحرب المستمرة والعقوبات الغربية، أظهرت احتفالات هذا العام أن روسيا لا تزال تتمسك بقوة برمزية “عيد النصر” باعتباره حجر أساس في الهوية الوطنية الروسية.
فالساحة الحمراء لم تكن فقط مسرحًا لعرض عسكري، بل منصة لإعادة إنتاج سردية تاريخية تربط بين انتصار الأمس وصراعات اليوم، وتؤكد أن الذاكرة الجماعية لا تزال عنصرًا محوريًا في تشكيل السياسة الروسية المعاصرة.
وبينما تتواصل الحرب في أوكرانيا وتزداد الانقسامات الدولية، يبدو أن التاسع من مايو سيظل بالنسبة لموسكو أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه يوم تختلط فيه السياسة بالتاريخ، والهوية بالقوة، والرمزية العسكرية برسائل النفوذ العالمي.
أقرأ أيضا :
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب


