فرانس 24 –
تعود حالة عدم الاستقرار إلى شمال مالي مع تجدد المواجهات بين الجيش المالي وبعض الحركات الجهادية والطارقية المسلحة، في سياق انهيار تدريجي لمسار اتفاق الجزائر 2015 وتصاعد العمليات العسكرية منذ 2023.
ويأتي هذا التصعيد بعد سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت الاتفاق، قبل أن تتراجع بنوده عمليا مع تخلي السلطات العسكرية الجديدة عن التزاماتها عام 2024.
الأمر الذي أعاد ملف الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” وبقية الفصائل المسلحة إلى واجهة المشهد الأمني في منطقة الساحل.
فمن هي حركة أزواد؟
وعادت الاضطرابات إلى منطقة شمال مالي بعد ما قام مقاتلون من الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” الطارقية، إلى جانب جماعات مسلحة محلية وأطراف مرتبطة بتنظيمات جهادية في بعض مناطق النزاع بالسيطرة على مدينة كيدال إثر تمكنهم من دحر القوات الحكومية المالية المدعومة من قوات روسية.
ووفق سيرج دانيال، مراسل فرانس24 في منطقة الساحل، فلقد طلب المرتزقة الروس من مقاتلي حركة تحرير “أزواد” فتح ممر أمن لهم لمغادرة كيدال والمناطق المحيطة بها، وهذا ما حدث فعلا.
وأشار إلى أن جميع المقاتلين المدعومين من قبل موسكو “غادروا المنطقة التي وقعت تحت أيدي مقاتلي ’أزواد‘ الطوارق”.
فمن هي هذه الحركة، ومتى تأسست، وماهي أهدفها ومن يدعمها؟
تأسست حركة “أزواد” (الحركة الوطنية لتحرير أزواد) في أكتوبر 2011 إثر اندماج حركتين: الحركة الوطنية لأزواد والحركة الطارقية لشمال مالي.
الحركتان قررتا إنشاء تنظيم سياسي طارقي جديد يهدف إلى توحيد مطالب جميع الطوارق في منطقة “أزواد”.

لكن الحكومة المالية وحكومات أخرى في منطقة الساحل وجهت لها اتهامات بالتعامل أو التقاطع الميداني في فترات سابقة مع جماعات إرهابية مثل:
- تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي
- أنصار الدين
- حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا
لكن حركة “أزواد” تنفي نفيا قاطعا أي علاقة مباشرة أو تنظيمية مع هذه الحركات الجهادية، وتعتبرها اتهامات سياسية لا أساس لها من الصحة.
كما صرحت مرارا بأن المجتمع الطارقي مجتمع قبلي يتميز بطابع ديني تقليدي صوفي، ما يجعل ممارسته الدينية بعيدة عن الفكر السلفي المتشدد وفق الحركة.
وغالبا ما يتم اتهام الجزائر بتقديم الدعم لحركة “أزواد” لكن الحكومة الجزائرية نفت مرارا هذه المزاعم، مؤكدة أن هدفها الوحيد عبر الوساطات الإقليمية التي تقوم بها هو حل الخلافات بين الفرقاء الماليين بالطرق السياسية بعيدا عن العنف.
ما هي أبرز عمليات تمرد حركة الطوارق شمال مالي منذ استقلال هذا البلد في 1960؟
ناضل الطوارق من أجل بناء دولة مستقلة في شمال مالي وعدم الخضوع إلى الجمهورية المالية بعد استقلالها في 1960.
لكن لم يتمكنوا من تحقيق حلمهم.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف التوترات بين الطرفين (الطوارق والحكومة المالية) ولم يتوصلا إلى تسوية نهائية ومستقرة.
فيما شهدت مالي منذ استقلالها عدة حركات تمرد للطوارق، تعكس مطالب متكررة بالاعتراف السياسي والتنمية والحكم الذاتي في شمال البلاد، أبرزها تمرد عام 1963 في مدينة كيدال احتجاجا على تهميش الشمال وسياسات الدولة المركزية.
تم قمع هذا التمرد بقوة من قبل الجيش المالي.
التمرد الثاني وقع في 1990، ما أدى إلى توقيع اتفاقات سلام لاحقة بين الحكومة المالية والحركات الطارقية، من بينها اتفاقات برعاية إقليمية في الجزائر، تضمنت وعودا بالتنمية واللامركزية مقابل وقف القتال.
وصمدت هذه الاتفاقات لفترات متقطعة على الرغم من المناوشات التي كانت تقع بين حين وآخر، لكن انهار كل شيء في 2012 بعدما أقدمت حركة أزواد على إعلان سيطرتها على شمال مالي بعد هجوم مسلح واسع مكنها من السيطرة على مدن رئيسية على غرار تمبكتو وكيدال وغاو.
استمر الصراع عدة سنوات وأدى إلى مقتل العديد وتهجير عشرات الآلاف من سكان مالي، ما جعل الجزائر تتدخل مرة أخرى وتضغط على الفرقاء إذ وُقّع اتفاق الجزائر 2015 منهيا نسبيا سنوات من العنف، على الرغم من هشاشته.
لكن في 2024، وعلى ضوء التحولات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي، أعلنت السلطات المالية إعادة النظر في التزاماتها ضمن الاتفاق، ما أعاد المنطقة إلى دوامة من التوتر والعنف إلى غاية اليوم.
هل توجد علاقة بين الجزائر وحركة “أزواد”؟ وما طبيعتها؟
برز اسم الجزائر منذ بدء الصراع بين حكومات مالي المتعاقبة وحركة أزواد منذ الاستقلال في 1960.
فهناك من يرى بأن الجزائر لا تدعم الحركة وكل ما تقوم به هو الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، وذلك عبر استتباب الأمن على حدودها مع مالي لمنع انتشار الفوضى والسلاح عبر الحدود.
وهناك أيضا من يتهم الجزائر بمساعدة الحكومات المالية السابقة أو لعب دور سياسي في كبح أي مشروع انفصالي أزوادي على حدودها.
لكن الحكومات الجزائرية المتعاقبة أكدت مرارا أنها تسعى فقط لمنع العنف بين الفرقاء الماليين، وأنها تدفع دائما نحو حل سياسي شامل وطويل الأمد يسمح بإطلاق سياسات تنموية يستفيد منها الجميع.
لكن الانقلاب العسكري الأخير الذي وقع في 2021 بقيادة آسمي غويتا الذي عزل الرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كايتا قوض آمال التسوية السياسية وأدخل المنطقة في مستقبل مجهول، فيما زاد انتشار الجماعات المسلحة في منطقة الساحل من تعقيد الوضع.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب

