أخبار عاجلة

سحر رجب تكتب : دور المشايخ في العملية السياسية في جنوب اليمن: بين الإرث القبلي ومتطلبات الدولة الحديثة

يشكّل المشايخ في جنوب اليمن أحد أبرز الفاعلين التقليديين في الحياة السياسية والاجتماعية، إذ يمتد تأثيرهم إلى ما هو أبعد من الإطار القبلي ليشمل مجالات الأمن المحلي، وحل النزاعات، والتعبئة الاجتماعية، وصولًا إلى المشاركة في صنع القرار السياسي. ومع التحولات التي شهدتها البلاد منذ أحداث ثورة الشباب اليمنية 2011 وما تلاها من صراعات سياسية وعسكرية، برز دور المشايخ مجددًا باعتبارهم وسطاء محليين وشركاء محتملين في إدارة الشأن العام، خصوصًا في محافظات الجنوب التي تتميز بتركيبة قبلية واجتماعية متداخلة.

إرث تاريخي وتأثير متجذر

يعود حضور المشايخ في المشهد السياسي الجنوبي إلى عقود طويلة سبقت قيام إعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1967، حين كانت الزعامات القبلية تمارس أدوارًا تقليدية في إدارة شؤون المجتمعات المحلية، بما في ذلك فض النزاعات وتوفير الحماية وتنظيم العلاقات بين القبائل. ورغم محاولات الدولة في الجنوب خلال الحقبة الاشتراكية الحد من النفوذ القبلي وتعزيز مؤسسات الدولة، فإن هذا الدور لم يختفِ تمامًا، بل عاد إلى الواجهة بقوة بعد الوحدة اليمنية 1990 وما تبعها من تغيرات سياسية واجتماعية.

المشايخ كفاعلين سياسيين في المرحلة الراهنة

في السياق الحالي، أصبح للمشايخ حضور واضح في العملية السياسية في جنوب اليمن، سواء من خلال الانخراط في الأحزاب السياسية أو دعم القوى المحلية أو المشاركة في المبادرات المجتمعية. وقد لعب العديد منهم أدوارًا في دعم الاستقرار المحلي، والمساهمة في جهود الوساطة بين الأطراف المتنازعة، خاصة خلال سنوات النزاع التي أعقبت الحرب الأهلية اليمنية 2015.

ويُنظر إلى المشايخ في كثير من المناطق باعتبارهم حلقة وصل بين المجتمع والسلطة، حيث يمتلكون القدرة على حشد التأييد الشعبي أو تهدئة التوترات، كما يسهمون في تسهيل تنفيذ المبادرات التنموية والإنسانية. وفي بعض الحالات، لعبت الزعامات القبلية دورًا في حماية المنشآت الحيوية وتأمين الطرق، وهو ما عزز مكانتهم كقوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

التحديات التي تواجه دور المشايخ

على الرغم من أهمية هذا الدور، فإن مشاركة المشايخ في العملية السياسية تواجه عددًا من التحديات، أبرزها:

تداخل الصلاحيات بين السلطة الرسمية والنفوذ القبلي.

تباين المصالح بين القوى السياسية المختلفة داخل الجنوب.

تراجع ثقة بعض فئات الشباب في القيادات التقليدية لصالح نماذج سياسية حديثة.

الحاجة إلى تأطير الدور القبلي ضمن مؤسسات الدولة والقانون.

كما أن استمرار الصراع السياسي وتعدد مراكز القرار يضع المشايخ أمام اختبار صعب يتمثل في تحقيق التوازن بين الولاء القبلي ومتطلبات الدولة الحديثة.

نحو شراكة متوازنة في بناء الدولة

يرى مراقبون أن نجاح العملية السياسية في جنوب اليمن يتطلب الاستفادة من الدور الاجتماعي للمشايخ دون أن يتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة. فالتجارب السياسية في المنطقة تشير إلى أن دمج القيادات التقليدية في منظومة الحكم المحلي يمكن أن يعزز الاستقرار، شريطة وجود إطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات والصلاحيات.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير آليات للحوار بين الدولة والقيادات القبلية، وتعزيز دور المشايخ في دعم المصالحة المجتمعية، وتشجيعهم على تبني خطاب سياسي معتدل يراعي مصالح المجتمع ويواكب تطلعات الأجيال الجديدة.

ويبقى دور المشايخ في العملية السياسية في جنوب اليمن عنصرًا حاسمًا في معادلة الاستقرار والتنمية، إذ يجمع بين التأثير الاجتماعي العميق والقدرة على التحرك السياسي. غير أن هذا الدور يحتاج إلى إعادة صياغة تتلاءم مع متطلبات الدولة الحديثة، بما يضمن تحقيق التوازن بين الإرث القبلي وبناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

كاتبة صحفية مصرية

عن وجه افريقيا