في بلادٍ تُثقل فيها البطالة كاهل الشباب، لا يصبح البحث عن وظيفة مجرد خطوة في طريق الحياة، بل معركة يومية يخوضها الآلاف بكل ما يملكون من أملٍ وصبر.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول بوابة الأمل نفسها إلى “شباك تحصيل”؟
عندما تعلن جهة وطنية بحجم مصر للطيران عن وظائف، يتدفق الشباب من كل صوب وحدب، يحملون أوراقهم وأحلامهم، وربما آخر ما تبقى في جيوبهم من مال.
لا أحد يعترض على التنافس، ولا على الاختبارات، ولا حتى على صرامة المعايير.
لكن أن يُفاجأ المتقدم بأن عليه أن يدفع ثمن تقديم الطلب نفسه، فهنا يجب أن نتوقف.
لسنا أمام رسمٍ لاختبار، ولا مقابل خدمة واضحة، ولا إجراء طبي أو تقييم مهني.
نحن أمام سؤال بسيط ومباشر، … منذ متى أصبح “مجرد التقدم لوظيفة” خدمة تُدفع لها رسوم؟
المفارقة الصادمة أن الدولة نفسها تُحذر المواطنين صباح مساء من شركات التوظيف الوهمية، تلك التي تتقاضى أموالًا مقابل وعودٍ بالعمل.
وتُجرَّم هذه الممارسات، ويُلقى القبض على القائمين عليها، لأنهم — ببساطة — يتاجرون بحلم الناس.
لكن حين يجد المواطن نفسه يدفع المال داخل مبنى رسمي، وتحت لافتة جهة وطنية، فإن السؤال يصبح أكثر قسوة؛ ما الفارق الحقيقي؟
قد يقول قائل هذه جهة رسمية… ولا تَعِد بوظيفة.
حسنًا… ولكنها أيضًا لا تقدم خدمة حقيقية مقابل المال، بل تفرض رسمًا على مجرد المحاولة.
وهنا يضيق الفارق… إلى حدٍّ مقلق.
الوظيفة ليست مِنحة تُمنح، ولا صدقة تُعطى … بل حق من حقوق الإنسان بشكل طبيعي، حيث الوظيفة علاقة عادلة … جهة تحتاج إلى كفاءة، وإنسان يحتاج إلى عمل.
هذا هو أصل العقد الاجتماعي والاقتصادي.
لكن عندما يُطلب من الشاب أن يدفع ثمن “فرصة أن يُنظر إليه”، فإننا نكون قد انحرفنا عن هذا الأصل، ودخلنا منطقة رمادية تُهدد مبدأ تكافؤ الفرص.
أي رسالة نوجهها حينها؟
أن الفرص لمن يستطيع الدفع؟
أن الطريق إلى العمل يبدأ من رسوم دخول؟
قد تكون هناك مبررات إدارية، وقد تُقال كلمات من نوع “تنظيم الأعداد” أو “تغطية التكاليف”، لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك؛ فتنظيم الأعداد مسؤولية الجهة، لا المتقدم.
والتكاليف جزء من إدارة المؤسسة، لا تُحمَّل لمن يبحث عن فرصة.
إذا كان العدد كبيرًا، فهناك وسائل لا حصر لها للفرز، من مثل شروط دقيقة، تقديم إلكتروني، اختبارات أولية … لكن أسهل الحلول — وأكثرها قسوة — هو أن ندفع الناس إلى “غربال المال”.
الأخطر من ذلك ليس المبلغ ذاته؛ فــثلاثمائة جنيه قد لا تبدو رقمًا ضخمًا للبعض، لكنها لكثيرين تعني يومًا من العمل، أو ميزانية أسرة ليومين.
الخطر الحقيقي هو “المبدأ”.
حين نقبل أن يُدفع المال مقابل مجرد التقديم، فإننا نفتح بابًا يصعب إغلاقه؛ … اليوم 300… وغدًا أكثر…
واليوم جهة… وغدًا الجميع.
ليس المطلوب صخبًا، ولا اتهامات جزافية.
المطلوب فقط وضوح؛ من خلال الإجابة على هذا السؤال اللولبي آخر .. ما السند القانوني لتحصيل هذه الرسوم؟ وما الخدمة المحددة التي تُقدم مقابلها؟ ولماذا تُفرض قبل أي تقييم حقيقي؟ ولماذا لم تضع الجهة ذلك الشرط في إعلانها عن شغور الوظائف بالوسائل المختلفة؟ وأخيرًا أين تذهب هذه الأموال؟.
أسئلة بسيطة… لكنها كاشفة.
في النهاية، لا أحد يطلب وظيفة بلا جهد، ولا أحد يرفض التقييم أو المنافسة.
لكن ما يُرفض — ويجب أن يُرفض — هو أن يتحول الحلم إلى فاتورة،
وأن يصبح الطريق إلى العمل مدفوع الثمن من أول خطوة.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس 300 جنيه…
بل ثقة جيل كامل في عدالة الفرص.
كاتب صحفي مصري
redahelal@gmail.com
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب