سحر رجب
في خطوة وُصفت بأنها مفصلية على طريق توحيد مؤسسات الدولة، رحَّبت عشر دول بقرار توحيد الميزانية العامة في ليبيا بين حكومتي الشرق والغرب، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل بداية عملية نحو إنهاء سنوات من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج الذي أثقل كاهل الاقتصاد الليبي منذ عام 2011.
وجاء الترحيب في بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الأمريكية، وقّعت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات وقطر، حيث اعتبرت الدول العشر أن اعتماد ميزانية موحدة يشكّل “خطوة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القيادات الليبية في الشرق والغرب”، ويمهّد الطريق نحو إصلاحات أوسع واستقرار مؤسسي.
نهاية الانقسام المالي
وكان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى قد أعلن في 11 أبريل/نيسان الجاري توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، من خلال إقرار ميزانية موحدة وقّع عليها ممثل مجلس النواب في بنغازي عيسى العريبي، وممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس عبد الجليل الشاوش، في خطوة أنهت عملياً 13 عاماً من الانقسام المالي الذي رافق الانقسام السياسي.
وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً في السلطة بين حكومتين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، والتي تدير غرب البلاد، وحكومة موازية في الشرق برئاسة أسامة حماد عيّنها مجلس النواب مطلع عام 2022 وتتخذ من بنغازي مقراً لها، وتدير شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب.
ويرى مراقبون أن توحيد الميزانية يمثل أول اختبار عملي لقدرة الأطراف الليبية على التعاون في ملفات حساسة، خاصة أن الملف المالي كان أحد أبرز مظاهر الانقسام، حيث أدارت كل حكومة ميزانيتها بصورة منفصلة، ما أدى إلى تضخم الإنفاق وتعدد مراكز القرار الاقتصادي.
تفاصيل الميزانية الموحدة
تبلغ قيمة الميزانية الموحدة نحو 30 مليار دولار، وقد جرى توزيعها على عدة بنود رئيسية تعكس أولويات الإنفاق الحكومي في المرحلة المقبلة. واستحوذ بند الرواتب على الحصة الأكبر، بقيمة 73.16 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 36.7% من إجمالي الإنفاق العام، في مؤشر على استمرار الاعتماد الكبير على القطاع العام كمصدر رئيسي للدخل.
كما خُصصت نحو 10 مليارات دينار للنفقات التشغيلية، إضافة إلى 13.6 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد الليبي ومصدر الإيرادات الأساسية للدولة.
وفي خطوة لافتة، خصصت الميزانية نحو 40 مليار دينار لبند التنمية، تم توزيعها بين حكومتي الشرق والغرب، في محاولة لتحقيق توازن جغرافي في المشروعات والخدمات، بينما خُصص الجزء المتبقي لبند الدعم، الذي يشمل السلع الأساسية والخدمات الاجتماعية.
دعم دولي وتوقعات سياسية
وتسعى الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون إلى تثبيت هذا الاتفاق المالي باعتباره مدخلاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية. وفي هذا السياق، زار كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس ليبيا مؤخراً، داعياً إلى دعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدفع نحو عملية سياسية يقودها الليبيون بأنفسهم.
وأكد بولس أن توحيد المؤسسات المالية يجب أن يتبعه توحيد بقية مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية، تمكّن الشعب الليبي من اختيار قيادته وإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة.
كما جدد المسؤول الأمريكي هذا الدعم خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، حيث ناقش الطرفان سبل البناء على الخطوات الاقتصادية الحالية لتعزيز التكامل المؤسسي والأمني.
هل يبدأ الاستقرار من بوابة المال؟
يرى خبراء اقتصاديون أن توحيد الميزانية قد يشكل نقطة تحول حقيقية إذا ترافق مع شفافية في الإنفاق وآليات رقابة موحدة، مؤكدين أن الاستقرار المالي غالباً ما يسبق الاستقرار السياسي في الدول التي تعاني انقسامات داخلية.
ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف الليبية بتنفيذ الاتفاق، واستمرار الدعم الدولي، إضافة إلى التقدم في مسار المصالحة السياسية والأمنية.
وبين التفاؤل الحذر والتحديات القائمة، تبدو الميزانية الموحدة في ليبيا خطوة أولى على طريق طويل نحو استعادة الاستقرار، في بلد يملك ثروات ضخمة لكنه لا يزال يبحث عن صيغة دائمة للوحدة الوطنية والتنمية المستدامة.


