مقالات
أبعد من الدفاع عن آخر رئيس منتخب للهيئة المستقلة للانتخابات بتونس
كاتم الشهادة آثم قلبه.. (**)
تأثرت إلى حد البكاء، وأنا في القاهرة عندما شاهدت الفيديو الذي بثه يوم السبت فبراير / فيفري 2023 “نبيل بفون ” آخر رئيس منتخب للهيئة العليا للانتخابات بتونس (الإيزي). تلك التي كانت مستقلة.
ولذا قررت أن أخرج عن صمتي أنا أيضا. وأتغلب على حرج صداقة تجمعنا منذ سنوات مع زياراتي المتعددة وإقامتي بتونس لأنصفه ببضع كلمات أصبحت واجبة. و بما يستحق وأمثاله من نساء ورجال بلاده، والذين كنت شاهدا على إخلاصهم لوطنهم ولمواطنيهم وللحقوق والحريات والديمقراطية والكرامة، وبالطبع العمل من أجل انتخابات حرة نزيهة تختلف عن السياق العام السائد في الدول العربية. وهذا حينما كنت وغيري نقطع المسافات لنأتي تونس كي نتعلم من تجربتها في التغيير والانتقال الصعب إلى الديمقراطية. ونتابع بشغف الإيجابيات والسلبيات، والمشكلات ومحاولات التغلب عليها.
.. اليوم لا أجد حرجا من الإدلاء بشهادة متواضعة بشأن ” نبيل بفون”، وكما عرفته صحفيا ثم صديقا من بين مئات أتيح لي الاقتراب منهم في تونس بعد الثورة. ومن بينهم أصدقاء ومعارف من مختلف الاتجاهات والانتماءات، ومع تنوع المواقف إزاء عشرية الانتقال إلى الديمقراطية، بل ومن الثورة بالأصل. وبالطبع من بينهم أصدقاءومصادر صحفية عرفتهم وصادقتهم، وهميختلفون عن “نبيل” ومعه.
***
قبل نحو أربعة أشهر، اتصلت من القاهرة للاطمئنان على أحوال صديقي “نبيل” وأسرته. وطالما تمنيت عليه منذ غادرت تونس في آخر زيارة نهاية أكتوبر 2019 أن يزورنا في مصر، لكنه لم يفعل لليوم. وقد أبلغني خلال الاتصال بما يؤلم، ويزيد جرحي كمواطن وصحفي تمنى لبلده أن يفلت ويتحرر من سياق الاستبداد والفساد المقيم في عالمنا العربي منذ قرون ، ولا أقول مجرد عقود.
علمت منه ـ وقد جاءني صوته وكعادته هادئا واثقا يعكس تحرره هو من أمراض الذاتية / النرجسية و الضغائن والأحقاد والمكايدات والافتراءات والإتهامات بدون دليل و”التنبير” (أي الاستهزاء والسخرية بالعامية التونسية) ـ بأنه ممنوع من العودة لمزاولة عمله كعدل منفذ وفتح مكتبه مجددا، وذلك بتعسف متعمد من وزارة العدل المطواعة تماما لرغبات الرئيس “قيس سعيد”.
كما أبلغني بما صرح به للمرة الأولى أيضا في فيديو السبت بالاعتقاد بإدراجه ودون تحقيق أو سبب مصرح به على قائمة الممنوعين من السفر (إس 17) . وهو الإجراء الذي كان يستهدف المشتبه في علاقتهم بالإرهاب، وتحول منذ 25 يوليه / جويلية 2021 إلى سيف مصلت على رقاب عباد الله الأبرياء ممن يشتبه في عدم رضا “السيد الرئيس” عنهم.
وللأسف مع عودة تونس للسقوط في جب الاستبداد و”السلطة المطلقة مفسدة مطلقة” (*) لا يمكن لصحفي عن قرب أو بعد أن يعلم اليوم من جهة مسئولة في السلطة: كم عدد من يشملهم هذا الإجراء المقيد لحرية التنقل الآن؟ . وهل فعلا وصل ضحاياه إلى مئة ألف، كما يتردد.. أم كم هم بالضبط؟. فالقائمة غير معلنة ولا تخضع لرقابة من غير “السلطة الأمنية الباطشة”. ومرحبا بعودة تونس إلى حظيرة الدكتاتوريات العربية البائسة.
وأتذكر أنني سألت ” نبيل” في نهاية الاتصال بيننا: لماذ لا يعلن عما يتعرض له من اضطهاد وتنكيل تتحمل أيضا أعباءه عائلته: الزوجة الفاضلة وثلاثة ابناء أعزاء على قلبي؟، فأجابني بنفس القول الذي تضمنه الفيديو بأن هناك من مواطنيه كثيرين يعانون مما هو أشد وأسوأ وأنكى.
وعندما انتهى الاتصال، أخذت أفكر في هذا الرجل الذي كان يمكنه تجنب الأذى لو صمت ولم يصف تفسير الرئيس “قيس سعيد” للمادة 80 من الدستور بمخالفة النصوص، أو لو جارى رغبات وأهواء ما أصبحت عليه سلطة تنفيذية/ تشريعية قاهرة متحكمة في القضاء، وكما فعل آخرون. وقلت لنفسي: بالعقل والمنطق لو كان عند الرجل ما يشين أو يستأهل المحاسبة والمحاكمة لفعل كما يفعل من احتفظوا بمناصبهم وتنكروا لما كانوا شركاء فيه مشرفين عليه.
***
وأشهد اليوم بأن “نبيل بفون” كان سعيدا و فخورا ـ و معه مواطنوه وكل من يتمنون لتونس التقدم على طريق العصرية والديمقراطية ـ بنجاحه و”الإيزي” في العبور بوطنه إلى انتخاب سابق لأوانه لرئيس جديد، وفي مدى زمني ضاغط ووجيز، وبالوفاء بالآجال واحترام نصوص دستور 2014، وذلك بعد وفاة الرئيس “الباجي قايد السبسي” رحمه الله في يوليه/ جويليه 2019. ولقد أسهمت ( الإيزي) التي كان يرأسها حينها بدور مقدر من العالم وليس التونسيين وحدهم في تحقيق انتقال سلمي سلس وآمن لسلطة الرئاسة استحق ثناء القادة وكبرى الهيئات المعنية بالديمقراطية ونزاهة وحرية الانتخابات في العالم.
وهي نفسها الانتخابات الرئاسية المبكرة، و التي جرت على دورتين في 15 سبتمبر و 6 أكتوبر بالتزامن مع التشريعية بالنسبة للأخيرة. وقد جاءت بمدرس القانون الدستوري “قيس سعيد” الموصوف حينها بأنه ” من خارج السيستام” إلى قصر قرطاج. انتخابات كحال ” الإيزي”، حين كان مجلسها منتخبا مستقلا، لم تكن محل تنازع أو انقسام مجتمعي / سياسي أو عدم قبول بالنتائج . وحل “سعيد” مع جولتها الأولى في المقدمة متفوقا على رئيسي حكومة وبرلمان ووزير دفاع. ثم تفوق في جولتها الثانية بوضوح على “نبيل القروي” رجل الأعمال النافذ أحد أركان ” السيستام “. وهو ما حداني وغيري من الكتاب والصحفيين والمراقبين خارج تونس للإشادة بها وبالجمهورية التونسية، وللمقارنة مع استحالتها في بلد عربي آخر.
***
عرفت “نبيل بفون” منذ كان عضوا بمجلس (الإيزي) الذي ترأسه الحقوقي المحترم “كمال الجندوبي”، ومنذ انتخابات المجلس التأسيسي أكتوبر 2011. وخبرته كصحفي قادم من مصر. ولفت نظري منذ البداية قدرته على التعامل باحترافية مع الصحفيين، واحترامه للصحافة وللحق في الحصول على المعلومات واستقائها ونشرها. وهذا فضلا عن تواضعه وبشاشته وحسن أخلاقه. وأظنها شهادة يوافقني فيها العديد من الزملاء الصحفيين من داخل تونس وخارجها. ولا تكتمل إلا بالإشارة إلى أن هذه الخصال الفريدة لم تتغير بعدما انتخابه من البرلمان بعد جولات ومصاعب رئيسا (للإيزي).
وفي هذا السياق، يتعين أن أذكر ثلاثة أمور إضافية :
ـ الأول.. إنه لم يسألني يوما عن نشر تصريح خاص أدلى به لي من أجل “الأهرام”، وبكل مكانتها عند جيلي وجيله. ولاحظت أنه لم يكترث بالأصل يوما ما بالنشر من عدمه، وبكيف جرى؟. وهذا من السلوكيات النادرة عند المصادر التي صادفتها في حياتي المهنية على مدى نحو أربعين عاما، وتعاملت خلالها مع مسئولين بلا حصر في مصر وتونس وخارجهما.
ـ الثاني.. إنه وهو الذي يعامل الصحفيين والصحافة باحترام لافت لم يضع يوما حاجزا بينه وبيننا. لم أره يوما عضوا أو رئيسا (للإيزي) مصحوبا بحارس أمن شخصي، أو يضع بينه وبيننا “كاتب” أو “مدير مكتب”. وهو أمر يقتسم فضله وسجيته مع رئيسي (الإيزي) السابقين عليه “كمال الجندوبي” و”د. شفيق صرصار”. وفقط لاحظت وزملائي ظهور حارس أمن شخصي لصيق برئيس (الإيزي) وتحركاته حتى داخل “قصر المؤتمرات” خلال فترة الانتخابات البلدية مع”محمد التليلي المنصري”. وهو الذي تولى هذه المسئولية بالانتخاب من البرلمان في نوفمبر 2017 وحتى إعفائه من منصبه بواسطة زملائه في مجلس الهيئة نهاية ماي/ مايو 2018، ما اضطره للاستقالة من الرئاسة والاحتفاظ بعضويته في المجلس في جويلية / يوليه من نفس العام.
أما الأمر الثالث فهو أن “نبيل بفون” كان منفتحا وبرحابة صدر على الانتقادات الموجهة لعمل ( الإيزي) ولأدائه هو. اختبرته وغيري من زملائي الصحفيين بتوجيه انتقادات علنية في ندوات صحفية أو خلال مقابلات و أسئلة من أجل تصريحات خاصة، فلم أجده يغضب أو يعبس في وجوهنا. بل كان حريصا على الصراحة والشفافية. ولم يتورع ـ كالتقارير الصادرة عن (الإيزي) ـ عن ممارسة النقد الذاتي، وطلب تجاوز السلبيات، والتقدم باقتراحات من أجل الأداء الأفضل. ولعل في الحوار غير المنشور الذي أجريته معه قبل مايقرب من خمس سنوات والمرفق بهذا المقال ما يؤكد هذه الخصال.
لم يتورع خلال هذا الحوار الصحفي كعادته عن انتقاد أداء (الإيزي) طلبا لتحسينه وتطويره للأفضل أو المجاهرة بمعارضة محاولات الحكومة التدخل في سير العملية الانتخابية وضعف تعاونها مع الهيئة، أو حتى انتقاد ضعف الرقابة على تمويل الحملات الانتخابية والأحزاب والجمعيات، وقصور القانون في هذا الشأن وغيره من جوانب العملية الانتخابية.
وأظن أن هذه الخصال تتنزل في سياق عام موات يسمح بإجلائها والتصريح بها بشجاعة. سياق كانت فيه (الإيزي) محل تقدير موثق في تقارير لم يمحها الزمن، ومن هيئاتالملاحظة المحلية والدولية مع كل استحقاق جرى تحت بصر هذه الهيئات ومئات الصحفيين الأجانب والتونسيين، مع تسهيل دخول لجان ومكاتب الاقتراع، ومرافقة كل مراحل العملية الانتخابية من الألف إلى الياء.
ولذا استحقت (الإيزي) ورؤساؤها ومجالسها بالانتخاب تكريمات دولية في غير مناسبة، بما في ذلك تتويج “المؤسسة الدولية لنظم الانتخابات” في نوفمبر 2016 لها كأفضل هيئة انتخابات على مستوى العالم، ووضعها أولا وعلى رأس مثيلاتها في 146 دولة. وأيضا لما ما راكمته الهيئة المستقلة العليا للانتخابات ورؤساؤها المنتخبون ـ ومن بينهم “نبيل بفون” ـ من خبرات مهمة مطلوبة في أنحاء العالم. وهو ما جعلنا نفخر كصحفيين أجانب وزملاؤنا التونسيون بالهيئة ورؤسائها وأعضاء مجلسها وبالدولة التونسية.
***
من المؤسف أن أجدني مضطرا للشهادة على إخلاص “نبيل بفون” لوطنه ولمواطنيه. وهو وأمثاله في غنى عن هذه الشهادة. وأنا اليوم أتذكر له عبارات سمعتها خارج العمل الصحفي والندوات الصحفية تعكس التفاني من أجل رفعة الوطن والمواطنين ، وحرصه على تربية ابنته “مها” و ابنيه “عزيز” و”معتز” على هذه القيم. لكن ها أنني اضطر للاستشهاد اليوم بواقعتين من علاقتنا خارج الصحافة والنشر وأضواء الإعلام.
.. أتذكر عندما سألني بمحبة ومحذرا: هل ألجأ للسوق السوداء كصحفي أجنبي مقيم لتغيير العملة الأجنبية إلى الدينار التونسي؟. وقد أفاض في شرح ضرر هذا السلوك على الاقتصاد الوطني.
. وأتذكر أيضا يوم أحب أن يكرمني مودعا مع انتهاء فترة مراسلتي “للأهرام” والخروج إلى التقاعد، فأصطحبني في يوم عطلة إلى مدينة “زغوان” بسيارته. لن أتكلم عن كيف كان يتغزل في جمال طبيعة جغرافيا وتاريخ البلد ؟. لكن يظل محفورا في ذاكرتي ووجداني تلك الدقائق التي كنا نتوقف فيها خلال الطريق بين حين وآخر لنصعد مرتفعات لزيارة تجمعات سكانية محدودة بدت معزولة يقطنها أناس بسطاء، وكيف كان “لنبيل” حوارات دافئة إنسانية معهم ؟، وكيف كانوا يستقبلونه بمحبة وتقدير؟، وكيف كان يهتم بسؤالهم عن مشكلات ممارسة حقوقهم الانتخابية واختيار ممثليهم في الحكم؟، وكيف يمكن تحسين هذه الممارسة وظروفها؟.
ومع هذا، لم ألمح ولو لمرة واحدة عنده مايشي بطموح كامن أو ظاهر لمنصب في السلطتين التنفيذية أو التشريعية. وأنا رجل / صحفي نمت عندي على مدى عقود حاسة تستشعر بسهولة هذا الطموح عند أصحابه. وطالما أخبرني باستعجال العودة إلي مهنته “العدل المنفذ” ومكتبه الذي كان ناجحا على مشارف المدينة العتيقة. وقد علمت بالصدفة في أحد الأيام بأنه كان مسئولا منتخبا في قيادة الهيئة الوطنية للعدول المنفذين بتونس ( أمين المال) وعضو المجلس العلمي للاتحاد المغاربي للعدول المنفذين.
***
يحزنني أن تكال الاتهامات هكذا بدون دليل أو أسانيد والاستسهال في تشويه تجربة الانتقال إلى الديمقراطية بايجابياتها وسلبياتها وعثراتها، ومعها رموز هذا الانتقال وأعمدة ديناميته.
ويؤلمني ـ على الرغم من الحرص طويلا على النظر إلى الأمور والتطورات كصحفي محترف من جوانبها المتعددة وبموضوعية وببرود بدون مشاعر وعواطف ـ أن تأكل تونس بناتها وبنيها على هذا النحو المنفلت المجنون الكارثي.
.. وصحيح إنه العبث .
ويؤسفني أن يتعرض “نبيل بفون” وأمثاله من المحترمين إلى حملات تشهير ظالمة سخيفة واحدة تلو أخرى. ولذا أجدني مضطرا اليوم لأن أكتب اليوم عنه، ودفاعا عن كل القيم التي يمثلها.
وأجد في نفسي كصحفي من خارج تونس الجرأة من أجل هذا، وبهدف إعلاء الحقائق. ولأنني ببساطة لم أكن يوما من حريفي/ زبائن وكالة الاتصال الخارجي وما يسير بعدها سيرتها الأولى من هيئات رسمية أو شبه رسمية بتونس، وبدوام الممارسات بعد اختفائها من العناوين. وللأسف من دون حساب وعقاب الراشي والمرتشين.
والحمد لله فقد حرصت، وغيري عديد الزملاء، على الالتزام بهذا السلوك المهني بطول علاقتي مع السفر والإقامة بتونس منذ أول مرة بعد الثورة . وعلى نحو خاص، وبقدر ما توثقت العلاقة بـ “نبيل بفون” ومن قبل بسابقيه في رئاسة ( الإيزي) “كمال الجندوبي” و”شفيق صرصار”، لم أكن يوما ضيفا مستدعى إلى تونس على حساب هيئة الانتخابات ومن أموال المواطنين التونسيين. ولم أتقاض مليما واحدا منها أو غيرها. ولم تربطني بها أو بخلافها من جهات الدولة التونسية أي معاملات ذات منفعة شخصية، أو أتحصل على أي امتيازات منها.
لهذا فأنا أتقدم اليوم بشهادتي هذه غير مجروحه. و هذا معمحبتي وتقديري واقترابي إنسانيا من “نبيل بفون” وعائلته الكريمة.
واليوم .. أود التصريح بما ظل حبيس الصدر على ضوء التطورات المؤسفة الجارية أخيرا، فأقول :
.. خسارة ياتونس .. كنت أملا لنا جميعا .. أسفي عليك، وعلى التونسيين الذين ظلموا أنفسهم وأهليهم وجهودهم من أجل الديمقراطية والتقدم. وقد أصبحت كزورق خانه ربابنته، وهو في محيط بائس عاصف.
ولعل الدرس الأبعد هنا والآن، هو كون أجيالنا التي عاصرت انتفاضات وثورات العرب بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وأسهمت في مجرياتها عرفت كيف يصل طغيان وعنف الثورة المضادة إلى حد العبث والجنون. وإذا كانت الثورة في ذاتها هي نوع من التمرد على التعقل والخروج عليه وعلى ماهو معقول وسائد ورتيب ومستقر، فإن الانقضاض على الثورة والردة عن مكتسباتها ـ ولو كانت جزئية ـ والانتقام منها ومن رموزها لا يخلو من أفعال وممارسات تسلطية مجنونة خارجة عن العقل والمنطق.
ولكن يظل الأمل في أن يسود في النهاية العقل والإنصاف والاحترام. فعمر الأكاذيب والافتراءات والمكايدات والتشويه والانتقام من الثورات ونتائجها مهما طال إلى نهاية .. وبئس الخواتيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: كارم يحيى
(*) قول شائع باللغة العربية، ويعتقد بأن أول من قال به وكتبه هو ” عبد الرحمن الكواكبي ” في مقالاته، ثم كتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” الصادر بين نهاية القرن 19 و بداية القرن العشرين.
الدبلوماسية البابوية وإفريقيا.. دلالات وأبعاد رحلة البابا فرنسيس الإفريقية
بقلم أ. د. حمدي عبدالرحمن حسن
أنطلق البابا فرانسيس في رحلة مدتها ستة أيام ابتداء من 31 يناير 2023 لدولتين من بين أكثر دول العالم فقرا وعدم استقرار، وهما جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان. وتعتبر هذه الرحلة البابوية من أكثر الرحلات تحديًا في عهده، حيث يواجه كلا البلدين نفس القضايا التي وضعها البابا فرانسيس على قائمة أولوياته في عهده البابوي ، مثل الاستغلال من قبل القوى الخارجية، وانتشار الأسلحة، وتدمير البيئة، وهو الأمر الذي يفضي إلى زيادة العنف وعدم الاستقرار.
السفاري البابوية في إفريقيا:
منذ انتخاب البابا فرانسيس عام 2013 ، قام رئيس الكنيسة الكاثوليكية بأربع رحلات إلى القارة وزار ثماني دول. كانت رحلته الأولى إلى إفريقيا في 25 نوفمبر 2015. وصل لأول مرة إلى نيروبي في كينيا حيث التقى برئيس الدولة وأعضاء السلك الدبلوماسي. في اليوم التالي ترأس قداسًا في جامعة نيروبي. وفي 27 نوفمبر ، زار حي كانجيمي الفقير وألقى كلمة أمام الشباب في ملعب كاساراني. وخلال إقامته في أوغندا (27-28 نوفمبر) ، التقى برئيس وممثلي الكنيسة الكاثوليكية المحلية بالإضافة إلى الشباب. وكان من أبرز معالم زيارته جولة في “الحرم الأنجليكاني والكاثوليكي” المكرس لنحو “22 شهيدًا وقديسًا مسيحيًا ” في القرن التاسع عشر.
ويعد ضريح “شهداء أوغندا ناموغونغو” واحدا من أكبر وجهات الحج المسيحية في القارة.على أن الجانب الأكثر تحديا في رحلته الرسولية هو سفره إلى جمهورية إفريقيا الوسطى (29-30 نوفمبر). كان الحبر مصحوبا بحراسة مشددة وركزت زيارته على نشر رسالة السلام والعدالة الاجتماعية والحوار مع الإسلام. لقد كانت جمهورية إفريقيا الوسطى ولا تزال تعانى من عواقب العنف الطائفى. قام البابا فرانسيس بلفتة رمزية بزيارة المسجد المركزي في بانغي ، وفتح “الباب المقدس” للكاتدرائية كعلامة على المصالحة.
في أبريل 2017 ، قام البابا بزيارة إلى القاهرة لمدة يومين. كانت أول رحلة بابوية إلى العاصمة المصرية منذ 20 عامًا. أراد أن يشير إلى قربه من أكبر جالية مسيحية في الشرق الأوسط ، والتي تعرضت لهجمات إرهابية. كما دشن فرانسيس أيضًا حوارا مع المسلمين ، حيث تحدث الحبر في جامعة الأزهر من خلال كلمة ألقاها أمام مؤتمر دولي للسلام استضافه الأزهر وترأسه إمامه الأكبر الدكتور أحمد الطيب. كما دعا البابا إلى الحوار المسكوني من خلال لقائه مع البابا القبطي الأرثوذكسي تواضروس الثاني.
وفي عام 2019 زار البابا المغرب بدعوة من الملك محمد السادس. خلال وجوده بالرباط ، زار البابا مركزًا ريفيًا للخدمات الاجتماعية ومركزًا لمساعدة المهاجرين. فقد أصبحت المملكة في السنوات الأخيرة الوجهة الرئيسية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء الذين يسعون للوصول إلى أوروبا عبر إسبانيا. وفي في سبتمبر 2019 ، قام الأب الروحي لنحو 1.3 مليار كاثوليكي بجولة رابعة في بلدان المحيط الهندي ، حيث زار موزمبيق ومدغشقر ، و موريشيوس.
وعلى الرغم من اعتبار الكنيسة الكاثوليكية قوة استقرار في البلدان ذات الكثافة الكاثوليكية ، فإن عبء الاستقرار يقع في هذه الزيارة الخامسة على عاتق البابا فرانسيس، البالغ من العمر 86 عامًا ولديه قدرة محدودة على الحركة. تأثرت الرحلة أيضًا بفعل سيطرة الجماعات المتمردة على الأراضي في شرق الكونغو ، مما دفع الفاتيكان إلى قطع التوقف المخطط له في تلك المنطقة. وهكذا فإن هذه الزيارات تعكس اهتمام البابا بالمناطق التي كانت تعد تاريخيا على هامش الكنيسة الكاثوليكية.
دلالات الرحلة الخامسة عام 2023:
من الواضح أن البابا فرانسيس أظهر اهتمامًا بإفريقيا أكثر من سلفه البابا بنديكتوس السادس عشر، ويرجع ذلك إلى نمو الكاثوليكية في إفريقيا على الرغم من التحديات التي تواجهها من الحركات المسيحية الأخرى. بالإضافة إلى ذلك ، فإن أسلوب فرانسيس الشخصي قاده إلى البحث عن الأماكن التي يعتبرها مهملة أو مهمشة. بيد أن فرانسيس قادم أيضًا إلى إفريقيا للقاء بعض اللاعبين الرئيسيين في الكاثوليكية الإفريقية الذين يزداد دورهم وتأثيرهم بشكل كبير لدرجة أن البعض يرى إفريقيا كمختبر لمستقبل الكنيسة بأكملها. بل ويتوقع البعض كذلك أن يصبح البابا المقبل إفريقيا.
لا يخلو اختيار كل من الكونغو كينشاشا وجنوب السودان من دلالات واضحة . تقوم الكنيسة الكونغولية بدور مهم في توفير التعليم والرعاية الصحية ، فضلاً عن الإشراف على الطريق نحو التحول الديمقراطي . كما أن البابا استثمر شخصيًا في التوسط في السلام بين الفصائل المتناحرة في جنوب السودان. وعلى الرغم من وجود كل من الرئيس سلفا كير وزعيم المتمردين السابق ريك مشار في نفس الحكومة ، إلا أن البلاد بالكاد تتماسك بسبب القتال المستمر والكوارث المناخية ، مما تسبب في واحدة من أكبر أزمات اللاجئين في إفريقيا . وعلى أية حال تأتي رحلة البابا فرانسيس إلى الكونغو وجنوب السودان في وقت تصاعدت فيه التوترات والمخاوف من اندلاع صراع إقليمي على طول حدود الكونغو ورواندا، مع هجوم صاروخي أخيرًا شنته رواندا على طائرة مقاتلة كونغولية. وقد وجد فريق خبراء الأمم المتحدة أن رواندا كانت تدعم متمردي حركة 23 مارس ، وهي جماعة مسؤولة عن القتل الجماعي للمدنيين ، وهو ادعاء نفته رواندا مرارا وتكرارا.
كما تسلط رحلة البابا فرانسيس إلى الكونغو وجنوب السودان الضوء على تحديات وتعقيدات القضايا التي تشكل جوهر أجندة أعماله، والدور المحوري الذي تلعبه الكنيسة الكاثوليكية في تحقيق الاستقرار في البلدان التي تواجه الفقر والعنف وعدم الاستقرار. هذا يجعل رحلة فرانسيس ، الخامسة له إلى القارة الإفريقية في حبريته التي استمرت 10 سنوات ، أكثر أهمية حيث يسعى البابا اليسوعي إلى إعادة تشكيل الكنيسة على أنها “الملجأ والملاذ ” لكل الفقراء والمحرومين والمتطلعين إلى السلام في إفريقيا.
على أن الزيارات البابوية ودور الفاتيكان المتصاعد في إفريقيا تهدف أيضا إلى دعم الروابط مع النخب الكاثوليكية المؤثرة في إفريقيا . بصرف النظر عن خبرة الشمال الأفريقي والسودان، فقد قاد الكاثوليك المعمدانيين حروب التحرير. روبرت موغابي (في زمبابوي)؛ و سامورا ماشيل وإدواردو موندلين (في موزمبيق) ؛ وباتريس لومومبا من الكونغو ؛ و أميلكار كابرال في غينيا بيساو والرأس الأخضر، و أجوستينو نيتو من أنجولا . لقد كان مواليمو نيريري ، وهو كاثوليكي متدين ، حارس مجموعة لجنة التحرير في إفريقيا.. وعليه يستشعر البابا فرانسيس أن عليه واجب مساعدة المجتمع الكاثوليكي على الاعتراف بالمسؤوليات التاريخية التي تحملها أبطال التحرير هؤلاء وتكريمهم.
المسكوت عنه وصمت الفاتيكان:
إن الفصل العنصري ،الذي يمثل “جريمة ضد الإنسانية” والذي استمر كشكل من أشكال الحكم في جنوب إفريقيا وجنوب غرب إفريقيا (ناميبيا الآن) ، هو فصل مظلم في تاريخ البشرية. وعلى الرغم من الفظائع التي ارتكبت خلال هذا الوقت ، فإن الفاتيكان إما شجع أو تجاهل الصمت واللامبالاة من قبل الكهنة والأساقفة والكاردينالات الأوروبيين والأفارقة. لا يزال هذا الغياب لقادة شجعان مناهضين للفصل العنصري ، مثل الأسقف الراحل ديزموند توتو من الكنيسة الأنجليكانية ، موقفا لافتا في المجتمع الكاثوليكي.
وبينما استمرت الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاسكندنافية في معاقبة زيمبابوي لرفضها دفع تعويضات للمزارعين المهاجرين الأوروبيين، فإنهم يظلون صامتين بشأن الفظائع والسرقات الاقتصادية التي ترتكبها الشركات البريطانية والأوروبية الأمريكية ضد إفريقيا . إن عقودا طويلة من الموارد المعدنية المنهوبة والأراضي الخصبة تتطلب تعويضات للقارة.
وللمفارقة يقود الولايات المتحدة حاليًا نخبة كاثوليكية ذات أصول أيرلندية ، وفرنسا في الغالب كاثوليكية. ومع ذلك يستضيف كلا البلدين أقوى 830 شركة اتهمتها لجنة تابعة للأمم المتحدة بتزويد أكثر من 120 جماعة مسلحة تقوم بقتل وحرق المنازل وتطرد السكان من المناطق التي تمتلك موارد معدنية غنية. وقد ذكر البابا هذه المشكلة ، ومن مسؤوليته عقد مؤتمر ينظمه الفاتيكان ضد العنف القائم على الموارد في إفريقيا . يجب أن يحضر هذا المؤتمر قادة العالم، بما في ذلك جو بايدن ، وإيمانويل ماكرون، وفيليكس تشيسكيدي من جمهورية الكونغو الديمقراطية ، وزعماء الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.
وفي الختام:
يمكن القول أن للفاتيكان ، المعروف أيضًا باسم الكرسي الرسولي، تاريخ طويل من العلاقات مع إفريقيا، ربما يعود ذلك الارتباط إلى العصر المسيحي المبكر. كما أن للكنيسة الكاثوليكية حضور كبير في إفريقيا، حيث تضم ملايين الأتباع وعدد كبير من الكهنة والأساقفة والقادة الدينيين الآخرين. وفي العقود الأخيرة ، سعى الفاتيكان إلى تعزيز علاقاته مع الدول الإفريقية من خلال مبادرات مختلفة ، بما في ذلك الجهود الدبلوماسية وبرامج المساعدة والتواصل الديني. وقد أعطى البابا فرانسيس الكرسي الرسولي قوة دفع أيضًا في تعزيز السلام والعدالة الاجتماعية في إفريقيا، وتحدث عن مجموعة من القضايا السياسية والاجتماعية التي تؤثر على القارة ، مثل الفقر والصراع وانتهاكات حقوق الإنسان.
كما عمل الفاتيكان أيضًا على تعزيز الحوار بين اتباع الشرائع والتعاون في إفريقيا، وشجع على زيادة التعاون بين الكنيسة الكاثوليكية والطوائف المسيحية الأخرى في القارة. بيد أن المسكوت عنه يظل في معالجة ميراث الصمت التاريخي للفاتيكان عن التفرقة العنصرية ومسألة دفع التعويضات للأفارقة عن سنوات الاستعباد والاستعمار.
المصدر:قراءات أفريقية
متى تكف “الكتلة الديمقراطية” عن المشاكسة؟
لم يترك الساسة السودانيون عاصمة عربية او افريقية لم يجتمعوا فيها في الخمس عقود الماضية كي يتحاوروا ويقرروا في شأن بلادهم، وفي كل مرة يفشلوا في الالتزام بالثوابت الوطنية ويخفقوا في التوصل الى حلول بشأن القضايا المصيرية.
العلة تكمن دوماً في أن النخب الحيوية والتي تملك خبرة عملية وخلفية علمية واقفة على الرصيف فيما تجول بين العواصم تلكم التي جبلت على العمالة، الارتزاق، الخيانة، الاختلاف، النرجسية، الغوغائية، قِصر النظر وعدم الالتزام بالعهود، مُمَنِية نفسها بضرورة تصدر المشهد والاستحواذ على خانة الخلود دون اي رصيد من الانجازات بل الاخفاق تلو الاخر والعجز عن تحقيق مراد الشعب من الرفاهية، السيادة والاستقرار.
لا ادري ان كانت القاهرة تستطيع ان تنجح فيما فشل فيه الاخرون من محاولات للتوسط بين معوزين ومُفْلِسين، المحاولة لن تضر لكن الانتظار سيطيل من محنة الانسان السوداني الذي ضاق ذرعاً بمحاولات السياسيين البائسة واليائسة.
رغم ضبابيته وهلامية لغته لا اعتقد انهم سينجزون اتفاقاً افضل من الاطاري الذي يمكن ان يُطور كي يمكننا من الانتقال الى المرحلة التي تليه والتي تتمثل في ضرورة ايجاد حكومة مدنية فيما يمكن للقضايا الاخرى ان تصير بالتوازي مع محاولة الطاقم المزمع تعيينه الاهتمام بمعاش الناس وأمنهم.
هل هذه رؤية براغماتية؟ نعم، فإن (قحت) ومن يعادونها لن يجرؤا على مطالبة العسكر بالتنازل أو حتى حظر أعضاء اللجنة الامنية من الترشح في اي انتخابات قادمة دعك عن تقديم مرتكبي جريمة فض الاعتصام للمحاكمة أو تسليم عُمَر البشير ورفاقه من المجرمين المحترفين للجنائية الدولية (فجماعة جوبا كما ستكشف التحريات مستقبلاً شركاء في جريمة الابادة الجماعية التي لم تقتصر على قتل الزرقة انما شملت العرب الذين سعت بعض الحركات لابادتهم)، كما لم يعد من الممكن مناظرة البلاد وهي تسير نحو الهاوية دون العمل على اعداد خطة هي اشبه بمحاولة الاصلاح الترقيعية وقد باءت خطة الاصلاح التأصيلية بالفشل.
لقد نجحت هذه الخطة التي تبناها خريجو الجامعات الامريكية (Chicago Boys) بازاحة بينوشت -دكتاتور شيلي- من سدة والتحول بالبلاد نحو المسار الديمقراطي. فهل تنجح في السودان؟
Waleed madibo
عبد الحمن شلقم*
لم تعد المواجهة بين روسيا وفرنسا في أفريقيا حرباً دبلوماسية أو إعلامية فحسب. الآن صارت حرب إبعاد وإبدال. مؤخراً، طلبت حكومة بوركينا فاسو من فرنسا سحب جميع قواتها من الأراضي البوركينية. قبل ذلك قدمت حكومة مالي نفس الطلب لفرنسا. موجة شعبية كبيرة في دول الساحل والصحراء تصر على خروج فرنسا الكامل من أراضيها، وتواصل توجيه التهم لها.
الموجة الشعبية المعادية لفرنسا وصلت إلى جمهورية مالي، وبدأت تفعل فعلها. ولا يستبعد أن تنتقل تلك الموجة قريباً إلى تشاد العضو المهم في منظومة دول الساحل والصحراء وكذلك النيجر، ولفرنسا وجود عسكري واقتصادي مهم فيهما.

بدأ السياسيون والمثقفون الأفارقة يفتحون ملفات الماضي الاستعماري الفرنسي في القارة، ويدعون إلى معركة الاستقلال الجديد، كما يسميه بعضهم، والتحرر من كل ما هو فرنسي بما فيه اللغة. في دولة بوركينا فاسو، يجري العمل على غلق محطة الإذاعة الفرنسية، وفي مالي ترتفع الأصوات الداعية للتوسع في استعمال اللغة العربية والتضييق على اللغة الفرنسية.
محاربة الإرهاب كانت الباب الذي عادت منه فرنسا إلى غرب أفريقيا، وتحديداً دول الساحل والصحراء. الرئيس الفرنسي السابق هولاند دفع بقواته إلى شمال مالي بطلب من حكومتها، وتعاون مع الأمم المتحدة وبعض دول المنطقة من أجل فرض السلام في منطقة أزواد بشمال مالي. قام هولاند بزيارة المنطقة، حيث لاقى استقبالاً شعبياً كبيراً. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي خلفه، وسع حجم وجود فرنسا العسكري، وجعل تدخله في دول الساحل والصحراء، من مرتكزات سياسته الخارجية.
لكن التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها «داعش» و«القاعدة»، وسّعت نشاطها وسيطرت على مناطق تمتد من بوركينا فاسو إلى مالي والنيجر وتشاد. وتراجعت سلطات الحكومات إلى حدود العواصم، وبدأت حالة الفشل السياسي والاقتصادي ترتفع وتتسع، وتتحول إلى ظاهرة قوية عابرة لحدود الدول. وُلد خطاب شعبي عنيف يرفع وتيرة العداء لفرنسا ويتهمها باستعمال الحركات الإرهابية ذريعة من أجل نهب مقدرات هذه الدول، وتقدمت نخب ذات ميول يسارية إلى فتح ملفات الماضي الاستعماري الفرنسي في أفريقيا. الحرب الروسية على أوكرانيا ودعم دول الناتو لها دفعا روسيا إلى توسيع جبهتها وفتْح محور للحرب في أفريقيا. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال زيارته في الأسبوع الماضي إلى جنوب أفريقيا شن هجوماً نارياً على فرنسا، واتهمها بالعودة الاستعمارية إلى أفريقيا.
وأضاف لافروف أن تدخل فرنسا في ليبيا سنة 2011 كان بهدف اتخاذ الأراضي الليبية منصة للقفز منها إلى داخل القارة الأفريقية. مقابل الحملات الشعبية الواسعة التي تدعو إلى خروج فرنسا من أفريقيا، هناك موجة مضادة تزداد اتساعاً، وهي الموجة التي ترحب وتطالب بالوجود الروسي في دول الساحل والصحراء. وجود عناصر «فاغنر» الروسية في هذه الدول وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية موزمبيق لم يعد سراً، بل هو بارز في الأماكن الحيوية والمهمة؛ المطارات والمناجم وبعض المعسكرات وحتى في بعض الدوائر الحكومية.
اليوم هناك صراع على النفوذ الاقتصادي والأمني في القارة الأفريقية. الصين موجودة بقوة ولها قبول كبير، في وسط القارة وجنوبها، روسيا تتحرك أمنياً وعسكرياً عبر توسيع وجود قوات «فاغنر» في دول الساحل والصحراء وشمال أفريقيا. أما الولايات المتحدة الأميركية، فلا وجود اقتصادياً مؤثراً لها في القارة. قدمت في البداية دعماً للقوات الفرنسية لمقاومة الإرهاب، لكنها قللت من ذلك الوجود بعد التراجع الفرنسي.
تآكل الدولة في وسط القارة وغربها، وانعكاسه على النسيج الاجتماعي والتماسك الوطني والقدرات الاقتصادية، لا يمكن أن يواجها بتدخل خارجي روسي أو فرنسي أو غيرهما. التنظيمات الإرهابية لن تتراجع وسترفع من قدراتها، مستثمرة في تهريب البشر، ونهب ثروات مناجم الذهب والمنجنيز وغيرهما. الحرب الروسية الأوكرانية ستسهم في توسيع وتصعيد المواجهة بين روسيا وفرنسا على الساحة الأفريقية، ولن تتردد روسيا في توظيف الحماس الشعبي الداعم لوجودها على التراب الأفريقي.
هل ستكتفي روسيا بقوات «فاغنر» على الأرض الأفريقية، أم ستوسع وجودها الثقافي والاقتصادي في القارة لتحل محل فرنسا، خاصة في دول الساحل والصحراء، حيث يذبل ما غرسته فرنسا منذ عصر استعمارها المباشر لأغلب بلدان القارة الأفريقية؟
أفريقيا منطقة فراغ من نوع جديد. على سطحها وفي جوفها ثروات طائلة، والطاقة النظيفة المتجددة هي المحرك اليوم للأطماع الدولية، وأفريقيا لها إمكانات هائلة في هذا المضمار، الذي سيكون محرك الصراعات الدولية القادمة. وروسيا لها قبول كبير في جنوب القارة وغربها، في حين انفجر العداء الشعبي الواسع للوجود العسكري والاقتصادي والأمني لفرنسا.
الانقسام الأوروبي المتزايد يضيف إلى قوة الوجود الروسي في القارة الأفريقية. هجوم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني العنيف على فرنسا مؤخراً، وحديثها عن الماضي الاستعماري الفرنسي للقارة الأفريقية ونهبها الذي لم يتوقف لثرواتها كما قالت، يكشفان حجم الخلاف بين أطراف دول الاتحاد الأوروبي حول أفريقيا.
القبيلة هي الفيروس الذي شلَّ جهود مأسسة الدولة في أغلب بلدان القارة الأفريقية، وهي الثقب الذي دخل منه الفساد، وجدث فيها المجموعات الإرهابية الوقود الدافع لحركتها. فرنسا منذ دخولها الاستعماري الأول إلى أطراف القارة ووسطها، وظّفت الظاهرة القبلية، بما تشعله من نزاعات وصراعات. لكن أفريقيا اليوم غير تلك التي احتلتها فرنسا في زمن غبر.
روسيا جاءت إلى القارة بقوة في سنوات حركات التحرير، خاصة في حقبة الاتحاد السوفياتي، حيث برزت مجموعة ما يمكن أن نطلق عليها «الأساتذة المتأفريقين»، على وزن المستشرقين. تعمقوا في دراسة المجتمعات الأفريقية بكل ما فيها من مكونات اجتماعية وثقافية قديمة وحديثة. وهذا سلاح مضاف يساعد روسيا على توسيع وجودها في القارة الأفريقية، في مواجهة فرنسا التي تنسحب بسرعة في مشهد يرتفع فيه غبار الهزيمة.
*وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة
خالد البلشي لمعركة نقيب الصحفيين المصريين
أتمنى ألا يخذلني الزميل الأستاذ خالد البلشي في دعوته للترشيح لموقع نقيب الصحفيين المصريين 2023 ـ2025، فقد خذلني من قبل مرتين دعوته فيها للتقدم لهذه المهمة الفدائية في الزمن الصعب. في المرة الأولى عام 2019 لم أفهم أسبابه للامتناع. أما في الثانية فتفهمتها وقدرت وعذرته.
.. للزميل خالد مايؤهله لخوض المعركة من أجل موقع النقيب.، ومن بينها:
ـ حضوره الدائم الى جانب قضايا المهنة والنقابة والصحفيين.
ــ هذا الحضور منذ عرفته في بدايات الألفية بمبنى النقابة لايتوقف أو يتعثر . و لا يغيب و لا يتأثر أو يهتز سواء أكان في عضوية المجلس أم خارجه.
ــ الأداء النقابي لخالد ينطلق من قيم ديمقراطية ومهنية يجب ألا نيأس في الدفاع عنها واستعادة ما افتقدناه منها والسعي لتجسيدها في واقعنا النقابي والمهني البائس والمتدهور منذ عقود.
ــ هو مايزال لم يتقدم في العمر بعد ليصبح من بين كهول وشيوخ الصحفيين.
ــ لخالد حضوره وشعبيته وعلاقاته بين شباب الصحفيين ومن مختلف الاتجاهات.
ــ مواقفه واضحة محترمة من قضايا الحريات والحقوق في المجتمع وفي الصحافة، بما في ذلك قضية معتقلي الرأي في بلادنا وخارجها،وبما في ذلك من زميلاتنا وزملاؤنا معتقلي وسجناء الرأي.
ــ يشهد أداؤه عندما تولى مسئولية مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين خلال الدورة النقابية بين عامي 2013 و 2017 وتقاريرها على ماذكرت في الفقرة السابقة. ويقينا لم تشهد هذه اللجنة حضورا وحيوية وفاعلية بقدر ماكان عندما تولى خالد مسئوليتها. ولم يميز واللجنة حينها في مواقف الداعمة الى جانب الزملاء بينهم لاعتبارات سياسية أو فكرية أو شخصية.
ـ خالد على المستوى المهني مناضل “مناضل مهني” ، والتسمية تجوز . بل واجبة. قاد ورأس تحرير المواقع الصحفية الالكترونية ” البديل” و ” البداية”و “كاتب” نهاية لموقع “درب” اليوم في ظروف بالغة الصعوبة.وبلغت صعوبتها حجب المواقع الثلاثة الأخيرة. ومع هذا ظل “يعافر” ويواصل.واشهد وغيري له بأنه رئيس تحرير محترم لا يعتدي على النصوص المقدمة اليه. بل وينشر من الآراء ما قد يتعارض معه قناعاته الشخصية أو مصالحه. واللافت أيضا أنه قادر على ترويض جموح الملاك والإدارات ومنع تدخلها في المحتوى التحريري للصحف التي ترأسها، وحتى اليوم في تجربة “درب” الصامدة المحجوبة لليوم . ومع انها تصدر عن حزب التحالف الاشتراكي.
وبالطبع له خطه السياسي كجزب معترف به قانونا ويعمل في ظل القيود والاعتبارات المعروفة لحضراتكم حاليا، إلا أن خالد استطاع كمهني وكمؤمن بالحريات وبالتنوع والتعدد في الآراء و بقدسية المعلومة والخبر وضرورة نشرها واتاحتها أن ينجو بـ “درب” أيضا من مصير أن تصبح “نشرة حزبية ” أو “جريدة لسان حال الحزب”. ولاشك أعانه على ذلك في السنوات الأخيرة رئاسة زميل صحفي يعرف اعتبارات المهنية للحزب : الأستاذ مدحت الزاهد.
ــ خالد تعرض لمضايقات أمنية طالت حبس شقيقه (لا صلة له بالسياسة) و استدعائه أمام النيابات. وأيضا تحمل واسرته ” سفالات” صحافة التشهير والافتراءات والبذاءات. وصمد في وجه أزمة تلو أخرى دون أن يتغير أو يغير من أدائه أو خطابه أو يتخلي عن المهنية وقيم الحريات والحقوق والديمقراطية و أولوية الانحياز للزملاء والمواطنين .
ــ خالد ليس رئيس مجلس إدارة أو تحرير معين من السلطة تتضارب مصالحه في موقع النقيب مع ما يملكه من سلطة الثواب والعقاب إزاء الصحفيين.
ــ خالد لم يعرف عنه خلال توليه لمسئولية رئيس تحرير ذكرتها او بعضها هنا انه ظلم زميلا له أو تعسف معه أو تجنى على حقوقه . ولم يكن يوما ـ كما أعلم ـ من بين من قادوا تجارب فيما يسمى زورا “بالصحافة المستقلة” وكانوا يتقاضون عشرات الألوف من الجنيهات، ويتغاضون ويتواطأون في أن يدفع ملاك لصحيفة أو هم كشركاء في المليكة للزملاء بضع جنيهات لا تغني من جوع.
ــ بل أعتقد ان له مواقف مشهودة في الدافع عن حقوق الزملاء في هكذا صحف وتجارب صحفية، وأترك لغيري من الزميلات والزملاء الشباب أن يفصحوا عنها، فهم أدرى بوقائع هذه المواقف.
ــ خالد في الأخير لاينتمى فكريا وسياسيا إلى تيارات أوغلت في الانحياز للاستبداد ولصناعة الزعماء الطغاة والتنكر للديمقراطية والحريات والحقوق وفي مقدمتها بالطبع حرية الصحافة.
ــ خالد على مستوى الصفات الشخصية والنفسية يتميز بالهدوء والقدرة على الانصات والحوار والتصرف بعقلانية.
ــ خالد امتداد للجانب الايجابي المشرق من تجربة “روزا اليوسف” ، التي عمل بها والتحق من خلال التعيين فيها بالنقابة. جانب يذكرنا بالمهنية والتقاليد المحترمة والقضايا الحقيقية للأساتذة الراحلين صلاح حافظ وعبد المنعم الشرقاوي و صبري موسى وأمثالهم ومن سار على دربهم . وهو جانب يختلف تماما عن جانب آخر عكسي احمد الله ان خالد قد نجا من تأثيراته.
وربما أعود لأكتب بتفصيل أكثر عن ترشيحي للزميل الأستاذ خالد البلشي نقيبا للصحفيين المصريين. وبالطبع مع الاشارة الى سلبيات وهنات في أداء الزميل أيضا. فلا يوجد انسان خال من العيوب والسلبيات يتقدمهم أنا كارم
يحيى.
من قبل ساندت ومنحت صوتي من أجل الزميل الأستاذ يحيى قلاش نقيبا للصحفيين، وتمنيت عليه لاحقا الترشح للمنصب. لكنه خذلني مرتين. أقول هذا مع انني أعي نفسي نقابيا منذ التسعينيات كصحفي مستقل ومعارضا لهيمنة السلطة السياسية / الأمنية ورؤساء مجالس الإدارة والتحرير .على نقابة الصحفيين المصريين. وفي الوقت نفسه لست مواليا بالكامل (وعمياني وبالطريقه الشللية) لما يسمى بـ “تيار الاستقلال”.
بل إنني كنت مختلفا وناقدا لهذا ” التيار” منذ منتصف التسعينيات، في محطات عديدة وعلنا. وعندي كتابات منشورة وغير منشورة في هذا النقد.
وعندما ترشح الزميل يحيى لانتخابات النقيب ربيع 2015 لم يمنعني تأييدي وتصويتي له من انتقاده علنا وفي ندوات انتخابية.
وهذا ما سأفعل أيضا مع الزميل خالد البلشي ، مع تمنياتي ان يستجيب لرغبتي وآخرين لأن يتقدم لمعركة نقيب 2023 ـ 2025. وأنا على عشم معه أن يكون متقبلا للنقد.
إفعلها يازميل وتوكل على الله . فأنت لها .
ياريت الأصدقاء والزملاء يتحدثوا مع الاستاذ خالد لاقناعة بالترشيح لموقع النقيب لأني أعلم ان القررا بالنسبة له لن يكون سهلا.
كارم يحيى
في يوم الاحد 4 فبراير 2023.
و للقائمة السابقة يمكن أيضا إضافة اسماء إخرى اليها من بين زملائنا الراحلين خلال العامين السابقين إن لم نقل الأربعة، ربما سقطت سهوا اسماؤهم من ذاكرتي اليوم. إما أن يقرر مجلس نقابة الصحفيين ـ وعلى طريقة “يارايح أكثر من الفضائح” ـ اختيار أحد الزملاء الراحلين وبمفرده ودون غيره لتأبينه والاحتفال بسنويته وحده هكذا وفي هذا التوقيت فهو أمر يفتح الباب أمام تأويلات مؤسفة عن صراع بين أجنحة أهل السلطة والامتيازات داخل مؤسسة بعينها يراد لها أن تمتد اليوم وفي هذا التوقيت الانتخابي المريب الى نقابة تمثل كل الصحفيين المقيدين بجداولها.
حتى سنوات، كان الرجل الذي ليس عليه دَين لأحد رجلًا فاضلًا، ونموذجًا في الاستقامة والحياة النشيطة العاملة. أما اليوم، فهذا النوع من الرجال رجل فضائي. من لا يدين لأحد بشيء، لا وجود له. أنا مدين، فأنا موجود. أما البريء من أي دين، فلا يستحق اسمًا ولا وجهًا: البطاقة الائتمانية دليل حقنا في الوجود. الديون: هي ما عند الذين ليس عندهم شيء. فما من شخص أو بلد في هذا العالم إلا وله قدمُّ واحدة على الأقل في الفخ.
المنظومة الإنتاجية، التي باتت منظومة مالية، تُضاعف المدينين لتضاعف المستهلكين. لقد حذر كارل ماركس، الذي توقع هذه الحالة قبل قرن من الزمان، من أن نزوع الربحية إلى الهبوط وحَول توجه نحو زيادة الانتاج تجبران المنظومة على النمو نموا منفلتًا، وتوسع سلطة طفيليات “البنكوقراط” توسعًا جنونيًا، علما بأنه عرّف هؤلاء بأنهم “عصابة لا تفهم شيئًا في الإنتاج، ولا علاقة لها به من قريب ولا من بعيد”.
إن الإنفجار الاستهلاكي في عالم اليوم يحدثُ من الضوضاء ما هو أشدّ وأقوى من ضوضاء كل انفجار، ومن الصخبِ ما يفوق صخبَ كل كرنفال. يقول مثل تركي قديم:” مَن يشرب بالدين يسكر ضعفين”. حفلة العربدة هذه تجعل رؤوسنا تدور ورؤيتنا تتضبب، إذ لا يبدو لها من حدود زمانية ولا مكانية. لكن ثقافة الاستهلاك تشبه الطبل: يرنّ لأنه فارغ.
وحين يجدّ الجدّ، ويتوقف الصياح وتنتهي الحفلة، يصحو السكران ليجد نفسه وحيدًا، من دون صحبة غير ظِلّه وصحون مكسورة عليه أن يدفع ثمنها. يصطدم التوسع في الطلب بالحدود التي تفرضها المنظومة نفسها التي أنشأته.
إن المنظومة تحتاج أسواقًا دائمًة التوسع والانفتاح، كما تحتاج الرئة إلى الهواء. وتحتاج أيضًا إلى أن تنهار أسعار المواد الخام وتزحف العمالة البشرية زحفًا على الأرض. هذه المنظومة تتكلم باسم الجميع، وتوجه أمرها بالاستهلاك إلى الجميع، وتنشر حمى الشراء بين الجميع، ولكن ما من سبيل: فالمغامرة تبدأ وتنتهي، بالنسبة إلى الجميع تقريبًا، على شاشات التلفزيون.
غالبية الناس الذين يحمّلون أنفسهم أعباء الديون ليملكوا كل شيء، سرعان ما ينتهي بهم المطاف مثقلين بديون أخرى لتسديد ديون تولدت عن تلك الديون، وليصلوا أخيرًا إلى حالة من حمّى خيال قد يصبّ في الإجرام.
بقلم – عادل وليام
ولد الدكتور حامد عمار الملقب بشيخ التربويين المصريين في قرية “سلوا” بمحافظة أسوان في أقصى جنوب مصر في 25 فبراير عام 1921، والتحق بالمدرسة الابتدائية بإدفو في صيف 1928 وكانت مدرسة إلزامية، وهناك أوصي المعلم الأب بالاهتمام بالصبي وضرورة استكمال تعليمه للحصول علي لقب أفندي، فلما ذهب حامد عمار إلي إدفو أدهشه وجود حنفيات للمياه في الغرفة التي يسكنها كما أدهشه زحام المدينة وحركتها وكانت مصاريف المدرسة ثلاثة جنيهات مع وجبة غداء.
حصل علي الليسانس عام 1941 والتحق بالمعهد العالي للتربية بالأورمان وقد صادف يوم التحاقه الأول به إضراباً عاماً فقطع الرحلة علي الأقدام!، وبعد التخرج استقر به المقام مدرساً في مدرسة قنا الابتدائية حيث بدأ مدرساً للتاريخ والجغرافيا وتسلم بطاقة التموين المقررة لشراء أقمشة «الدبلان والدمور»، إلي أن جاءته بعثة إلي باريس عضواً في وفد مصري إلي اليونسكو ثم ألحق بالعمل في المركز الدولي للتربية الأساسية في قرية سرس الليان في المنوفية وهي قصة امتدت ستة عشر عاماً علي سبيل الانتداب.
كان أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه في اجتماعيات التربية من جامعة لندن عام 1952 وحملت رسالته عنوان “التنشئة الاجتماعية في قرية مصرية” وعاد إلى مصر ليعمل بجامعة عين شمس.
أصدر د/ حامد عمار كتابه الأول “العمل الميداني في الريف” في عام 1954 وأتبعه عده كتب منها “في اقتصاديات التعليم” 1963 و”أعاصير الشرق الأوسط وتداعياتها السياسية والتربوية” و “في آفاق التربية العربية المعاصرة من رياض الأطفال إلى الجامعة” و”تعليم المستقبل من التسلط إلى التحرر” و”مواجهة العولمة في التعليم والثقافة” و”التنمية البشرية في الوطن العربي”
الذي نال عنه جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في عام 1994
وهو العام الذي فاز فيه أيضا بجائزة الدولة التقديرية أرفع الجوائز في مصر آنذاك
كما نال عمار في 2008 جائزة النيل في العلوم الاجتماعية وهي أكبر جائزة في مصر.
سجل د حامد عمار سيرته الذاتية في كتابه “خطى اجتزناها.. بين الفقر والمصادفة إلى حرم الجامعة”. التي اعتبرها “رحلة طويلة مذهلة من مجتمع الزراعة البدائي واقتصاد الكفاف والاكتفاء بموارده الذاتية إنتاجا واستهلاكا إلى مرحلة آفاق مجتمع العولمة وعصر المعلوماتية.”
ولعمار إسهامات عربية في مجال التربية حيث ساهم في تأسيس معهد الخدمة الاجتماعية بالأردن في 1970 وأسهم في برامج مكتب صندوق الأمم المتحدة لرعاية الأطفال (يونيسيف) الإقليمي في أبوظبي (1972-1974) وتأسيس مركز التدريب على العمل الاجتماعى في العاصمة العمانية مسقط.. وساهم ايضا في وضع وثيقة إنشاء الصندوق العربي للعمل الاجتماعي التابع لمجلس وزراء الشئون الاجتماعية العرب في تونس (1982).
وتأسيس المجلس القومى للطفولة والأمومة بمصر (1988) وقسم الدراسات التربوية في معهد الدراسات والبحوث العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 2001. وقد توفي د حامد عمار مساء السبت 8 ديسمبر 2014م عن عمر ناهز الثالثة والتسعين عاما سلامًا لروحه.














