مقالات
الدائرة بمحكمة القضاء الإداري ـ وأشدد الإداري ! – أجلت نظر الدعوى لطلبها إعلان المدعى عليه الثالث (السيد/ ضياء رشوان نقيب الصحفيين) بالدعوى (!)، وهو بالأصل تم اعلانه في بدايتها بواسطة المحكمة كما يجرى بالنسبة للقضاء الإداري ، وحضر بشخصه ومعه دفاعا عنه محامي النقابة السيد/ سيد أبو زيد (!) في أول جلسة بتاريخ 3 مارس 2021. ثم في الجلسة التالية حضر الإثنان أيضا.
وشهدت جلسة 15 يناير 2023 مفاجأة أخرى بحضور ممثل قانوني عن هيئة الاستعلامات ( محامي الهيئة ) ولأول مرة منذ تداول الدعوى. وتقدم بمذكرة من صفحتين تطلب الحكم بعدم قبول الدعوى “لرفعها من غير ذي صفة “، وبدعوى وبنص المذكرة ” أن المدعى (المقصود كارم يحيى) يعمل صحفي حر وليس من العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات “! (ومرفق هنا صورة ضوئية من مذكرة الاستعلامات الحكومية).
.. دائرة المحكمة لم تلتفت إلى طلبات تقدمت بها في مذكرة ضافية خلال الجلسة السابقة 27 نوفمبر 2022 بالسماح بالكشف عن المبالغ التي يتقاضاها شهريا رئيس هيئة الاستعلامات الحكومية / نقيب الصحفيين المصريين من مؤسسة الأهرام بزعم انه يجرى المد له بعد الستين كمستشار لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وتقديم مايفيد نشر أي أعمال أو تقديمه ومؤسسة الأهرام أي كتابات أو ابحاث للمؤسسة نظير هذه المبالغ إن وجدت أصلا، وأيضا الكشف عما يتقاضاه شهريا من هيئة الاستعلامات الحكومية بحكم منصبه.
وهذا من أجل للتحقق من أنه مستوفى لشروط الاستمرار في عضوية المشتغلين بنقابة الصحفيين، وتحديدا المادة 6 / أ من قانون النقابة رقم 176 لسنة 1970 ونصها :” يعتبر صحفيا متشغلا (أ) من باشر بصفة أساسية ومنتظمة مهنة الصحافة في صحيفة يومية أو دورية تطبع في الجمهورية العربية المتحدة أو وكالة أنباء مصرية أو أجنبية تعمل فيها، وكان يتقاضى عن ذلك أجرا ثابتا بشرط ألا يباشر مهنة أخرى “.. ومع العلم أن تفسيرات صفة ” الصحفي المشتغل” في مصر وغيرها من الدول تفحص هل الدخل المتولد من العمل يتأتي أغلبه من مهنة الصحافة ؟.
ومع تركيز الدعوى ودفاعنا على تقديم كل ما يتعلق باستقلالية نقابة الصحفيين والنقابات عموما عن السلطة التنفيذية وتضارب المصالح بين االمركزين القانونيين لرئيس هيئة الاستعلامات الحكومية ونقيب الصحفيين، فإن المدعى ودفاعه اضطر لتقديم دفاع بشأن النقطة السابقة على ضوء ما ورد في تقرير المفوضين وكذا تقدم المدعى عليه بحوافظ مستندات تركز على هذا الجانب (ربما نشرت هنا صورا منها لأهميتها أيضا فيما يتعلق بكيف تدار الأمور في مؤسسة الأهرام ؟ ودورها في تسهيل الجمع بين منصب حكومي ومكلف بالبروباجندا الرئاسية والسلطوية على هذا النحو و موقع نقيب الصحفيين المصريين .
ملاحظتان على الهامش:
1 ـ اليوم ذاته الأحد 15 يناير 2023 شهد إصدار المحكمة الدستورية حكمها بتحصين عقود الدولة في بيع أصول مصر وشركاتها العامة من الحق الدستوري بطعن المواطنين عليها حرصا على المال العام .
2ـ انتخابات نقيب الصحفيين في دورتها الجديدة سيجرى فتح الباب للترشح لها في شهر فبراير المقبل 2023 ، وإذا سارت الأمور بشكل اعتياي دون حكم من مجلس الدولة بإلغاء الدورة السابقة للنقيب بسبب دعاوي الطعن على انتخاباتها بالتزوير والتزوير المادي، لن يصبح من حق رئيس الاستعلامات الحكومية نقيب الصحفيين الحالي التقدم لدورة ثالثة وفق قانون النقابة والذي لم يتم تعديله بعد في هذا الاتجاه وسط تداول انباء سابقا عن الاسراع بهذا الأمر قبل انتهاء دورة النقيب الحالية .
ولقد كنا نأمل في حجز دعوى استقلال موقع نقيب الصحفيين المصريين عن السلطة التنفيذية ومنع تضارب المصالح (وفق قانون بهذا الشأن أيضا ) للحكم قبل موعد انتخابات النقيب الجديدة أن نرسخ مبادئ استقلال العمل النقابي وديمقراطيته واستقلالية الصحافة ونقابتها والمنصوص عليها ( ولو بالكلام ) في الدستور والقوانين. ولذا قمنا بتعديل طلباتنا قبل نحو سنة بمطالبة رئيس هيئة الاستعلامات بالاستقالة من منصبه الحكومي والاكتفاء بموقع نقيب الصحفيين ، لكنه لم يستجب . وكأنه يصر على الزواج الباطل بين ” فؤادة” و “عتريس”، وترسيخ سابقة في سطو السلطة التنفيذية بشكل فج ومباشرة وذي طابع مشخصن (شخصي) وغير مسبوق ( سوى تعيين الصاغ صلاح سالم في الخمسينيات نقيبا للصحفيين في يوم أسود) على موقع نقيب الصحفيين المصريين.
وعلما بأن صحيفة الدعوى الأصلية في فبراير 2021 طعنت على قرار اللجنة المشرفة على انتخابات نقابة الصحفيين السماح لرئيس هيئة الاستعلامات الحكومية بالترشح لموقع نقيب الصحفيين مجددا، وبخاصة بعدما قررت الجمعية العمومية للصحفيين المنعقدة في مارس 2019 بوضوح منع الجمع بين موقع النقيب وأي وظيفة حكومية، وتطبيق هذا القرار اعتبارا من الانتخابات المقبلة ( 2021) . وهي التي تقدمت إليها مرشحا لموقع النقيب . ورفعت الدعوى من هذا المنطلق وبصفتي صاحب مصلحة مباشرة إلى جانب مصلحة كوني عضوا بالجمعية العمومية للنقابة .
و لقد مضيت والمحامون من دفاعي مشكورين في الجانب الموضوعي للدعوى، وتابعنها على مدى العامين، وبعدما لم يستجب القضاء الإداري ـ في عهده الجديد بعد تداعيات حكم تيران وصنافير ـ لطلبنا الأصلى بشكل مستعجل في الدرجتين الابتدائية والاستئنافية في جلستين شهدت وقائع اظنها غير مسبوقة ـ بالنسبة لي على الأقل. وقد كتبت عنها في حينها. وبعدها احيل الشق الموضوعي الذي لم تفصل فيه الدائرتان إلى المفوضين . واللافت أيضا أننا لم نستدع مطلقا للمثول امام هيئة المفاوضين لمناقشتنا وانتهت الى وضع تقرير في غير صالح استقلالية منصب النقيب. والتقرير في ذاته وثيقة أخرى على أحوال زماننا هذا.
وأكرر ما كتبته صباح أول أمس:
سامح الله كل من سكت علي انتهاك استقلالية نقيب الصحفيين المصريين وأن يشغله موظف حكومي بدرجة نائب وزير رئيس هيئة الاستعلامات.
سامحهم الله وبخاصة من قالوا ويقولون إنهم من تيار “الاستقلال”.
وأضيف اليوم وربما عدت الى نشر كتابة مستفيضة عن مشكلات واخطاء ما يسمى بـ “تيار الاستقلال” وجناية “الشللية” والتضحية بالمهنة وقيمها واستقلاليتها وديمقراطية العمل النقابي لصالح الطموح الشخصي والشللي عند السلطة .
كنت أمشي قبل قليل في الحي الذي أسكنه جنوبي القاهرة. ولم أكن قد غادرت المنزل منذ ثلاثة أيام. وأضطررت للخروج من أجل حقنة عضل تقيني تجدد آلام غضروف الفقرات، وتأثيره على الساق والحركة. وهي من المشكلات الصحية التي لم تظهر إلا بعد الستين. وكأنها كانت تتنظر ضرب جرس الانصراف من العمل في” الأهرام”.
وبينما خرجت للتو من “سوبر ماركت” محملا في اليد اليمنى ببعض المشتروات، واجتهدت في الإسراع بالمشي نحو المنزل حتى لايدركني الليل والبرد، إلا ووجدتني توقفت فجأة ودون سبب.
وعلى غير العادة، ألح فضول مفاجئ ـ وهكذا في الطريق العام ـ كي أطلع على تدفق تدوينات ” الفيس بوك”، وهي تنزلق عبر شاشة هاتفي المحمول. ونقلت ما معي من مشتروات إلى اليد اليسرى، ففاجأني نبأ وفاة الزميل الصحفي “مختار التليلي”. وداهمني شعور بأنني فقدت قطعة من قلبي، وبأن قوة قاهرة غير مرئية اختطفت منى عنوة صندوقا عزيزا من صناديق الذكريات تركته هناك في تونس، فبكيت.
سكنت بين نوفمبر 2016 وأغسطس ( أوت) 2018 حي “لافاييت” بوسط مدينة تونس حيث يقيم ” مختار التليلي”، والذي يكبرني بسنوات عديدة. وبمرور الوقت أطلقت عليه بيني وبين نفسي “عمدة لافاييت”، إذ لاحظت أنه يواظب يوميا على المشي في شوارع وأنهج الحي محتفظا بابتسامة ساحرة ملغزة على وجه ألفت تجاعيده، فأحببت إطالة النظر إليه.
وعندما انتقلت من السكن ببناية حديثة عصرية في نهج ليبيا،خلف معلم مول” الشامبيون” التجاري وحيث يضرب العباد المواعيد أمامه أو بمقاهيه الخلفية، إلى بناية عتيقة من عهد “الفرنسيس” بشارع الحرية ومقابل مقر الإذاعة الوطنية تجاوز نصيبي من بهجة مصادفة “عمدة لافايت” لقاءات المارة فوق الأرصفة من حين لآخر.
زادت مصادفات البهجة مع متابعته من نافذة غرفتي الأثيرة في الطابق الأول، وقد بات يمشى الهوينا. أبطأ فأبطأ دون أن تغادره ابتسامته، والتي لاتخلو من ميراث ” شقاوة صبي” و”دهشة طفل”. وكم مرة تعلق النظر من أعلى بيده تتدلى في حركة بندول، وهي تطوح بلا اكثراث ما يحمل من أرغفة خبز ” الباجات”، دون أن تلامس الأرض.
و ربما كان لقاؤنا الأول قبل أن أسكن “لافاييت” ببضع سنوات.وهناك على بعد خطوات معدودة من مقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بشارع الولايات المتحدة.وعلى مقهى مجاور لها مع صحبة من الأصدقاء والزملاء الصحفيين جميعهم ـ وأنا معهم ـ يصغرونه سنا. وعلمت منذئذ أنه زميل صحفي مخضرم في المهنة. ولاحظت من اللقاء الأول أنه مع وجهه البشوش، و التي تزيده خطوط التجاعيد ألفة، ميله للصمت والإنصات للآخرين.
ولعل من عرفنا ببعض أكثر كان هو الصديق والزميل “خميس الخياطي”. وعلى الأرجح كان المكان هومقهى ” الأقصر” قرب نهاية شارع “الولايات المتحدة” باتجاه حديقة ” البليفدير”. وهذا على الرغم من أن جلسات صديقنا “خميس” اليومية “بالأقصر” عامرة في الأغلب بأصدقائه من المثقفين والفنانين وبصخبهم. وفي كل الأحوال، ظل “عمدة لافاييت” عندي هو أكثرنا إنصاتا وصمتا وابتساما وبشاشة.. واهتماما أيضا بما تقول.
في إحدي الليالي الشتوية الباردة كنت عائدا للمنزل عبر شارع الولايات المتحدة، فوجدته بمفرده يجلس خارج المقهى غير عابئ بالبرد. وأظنها هذه هي المرة الوحيدة التي أتيح لي مبادلته حديثا مستفيضا، وأسمعه يتحدث بتدفق. وما يعلق بذاكرتي اليوم أنه روى لي حكاية انتقاله مع أسرته طفلا أو صبيا من بلدة بالجزائر إلى تونس،وجانبا من تفاصيل عمله في الصحف الجزائرية باللغة الفرنسية التي يجيدها منذ الصغر، وصولا إلى جريدة ” لابريس” بتونس.
و بدأت السماء خلال حديثه الدافئ تمطر رذاذا، وهو يحدثني بشغف عن ابنته الشابه المقيمة بعيدا خارج البلاد. حينها بدا وجهه قريبا مني جدا. وأبصرته كقمر مكتمل يشع بضوء أخاذ. واشتد المطر، لكن كلانا لم يتحرك من مقعده فوق الرصيف، أو يقترح على جليسه أن نهرع للداخل، أو إلى تحت مظلة تقينا البلل.
لا أعرف لماذا يظل مختار التليلي “عمدة لافاييت” بالنسبة لي مثالا للاستمتاع بسنوات ما بعد العمل في المؤسسات الصحفية. استمتاع يظل للكثيرين بعيد المنال أومن المستحيلات. لا أظن أنه اشتكى لي مرة أو سمعته يشتكي لآخرين من إعتلال صحته، أو من قسوة زمن أو وحدة.
أتأملفأكتشف اليوم كونه بالنسبة لي بمثابة نموذج أوفق في حب الحياة. تسعده أشياء بسيطة كاحتساء قدحي بيرة مع صديقه “خميس” فوق طاولة مشتركة، أومجرد المشي الهوينا على أرصفة شوارع وأنهج ” لافايت”، متفقدا أحوال وتحولات الأحجار والأشجار و القطط والبشر، وابتسامته لاتفارقه، وهي تناوش تجاعيد وجهه الطيب. يطمئن عليها جميعا وكأنه “عمدة قرية”. وهكذا كنت لا أمل من متابعته من نافذتي حتى يغيب مع انعطاف خطواته إلى شارع جانبي.
ولا أعرف لماذا لم أسأله مرة عن هل له صلة قرابة بالزعيم النقابي “أحمد التليلي”،والذي كان من بين مؤسسي اتحاد الشغل عام 1946 وأمينا عاما له لسنوات بين الخمسينيات والستينيات؟. وهذا مع مالفت نظري خلال ترددي على تونس وإقامتي بها من كتابات ومحاضرات عن رسالة “التليلي” الجريئة الشجاعة للرئيس “الحبيب بورقيبة” منتقدا غياب الديمقراطية والاعتداء على الحريات بعد الاستقلال وتحوله من زعيم يناضل لأجل استقلال بلاده إلى حاكم مستبد على شعبه. أسأل نفسي اليوم لماذا لم أستفهم من “مختار” عن ” أحمد”، وكلاهما “تليلي”؟ ، فلا أجد عندي إجابة.
ولعلني كنت مكتفيا بحضور ” عمدة لافاييت” كفراشة تسابق في خفتها الهواء.. فراشة دائمة الطيران والجمال.
.. رحم الله سي “مختار التليلي”..
وبلسم قلوب ابنته التي يحب ويفخر بها، ومعها من كان قد تبقى له من أسرة وعائلة. وبالطبع كل أحبائه وأصدقائه، وبخاصة رفيق بهجته الخاصة جدا ” خميس الخياطي” .
وبلسم أيضا قلبي، وكنت قد تركت قطعة منه هناك معه في “لافاييت”.
وتعازي للجميع على البعد .. ومن القاهرة.
.. وأسفي أنه لو قدر لي وعدت يوما فلن أجد ” لافاييت” التي عرفت وعشت.
مساء السبت 14 يناير/ جانفي 2023
فى مثل هذا اليوم 9 يناير 1960 تم وضع حجر الأساس للسد العالى، وتغيير مجرى النيل 1964، كما انطلقت الشرارة الأولى من محطة كهرباء السد العالي في أكتوبر 1967، وتخزين المياه بالكامل 1968، واكتمل البناء عام 1970 وافتتج رسميا 15 يناير 1971. تكلف السد العالى 500 مليون جنيه مصرى (1,500 مليون دولار)، غطى تكاليفه فى أقل من عام ونصف، حيث بلغ العائد الزراعى فى العام التالى 300 مليون جنيه، حوالى 100 مليون جنيه أخرى كهرباء، كما أن نعمة الأمان من الفيضان التى حققها لاتقدر بمال مما دفع الملايين من المصريين ليسكنوا مئات الجزر النهرية التى صارت فى مأمن من الفيضانات وتقدر قيمتها الآن بمئات المليارات، وكذلك الكورنيش النهرى فى العديد من المحافظات وقيمته التسويقية العالية.
حصل السد العالى على المركز الثامن كأعظم 10 مشروعات فى العالم من ناحية استخدام أعلى التكنولوجيا، وفائدة للبشرية فى القرن العشرين.
حمى السد العالى مصر من أشد الفترات جفافا فى العصر الحديث من 1981 حتى 1987، السد العالى هو حصن الأمان أمام فيضانات النيل التى اعتادت أن تدمر الأخضر واليابس، وحمى مصر من فيضان 1988، 1998، 2000، 2001، والسنوات الأربع الأخيرة، وهو الذى حمى مصر من التخزين الأول والثانى والثالث فى سد النهضة، وهو الذى يحفظ الأمن المائى المصرى على مر العصور فى الماضى والحاضر والمستقبل ان شاء الله.
تحية لبناة السد العالى وتحية للشعب المصرى وكل عام وأنتم بخير
كيف تشكل حلف “25 جويلية” وما هي مآلات مكوناته؟
اختفت الدلالة الخطيرة لأن يغلق رئيس الدولة مساء 25 جويلية/ يوليو 2021 البرلمان بدبابة جيش خلف حجب المبالغات والضغائن والمكايدات الشخصية وشهوة التشفي والانتقام بين النخب السياسية والمثقفة. وبدا من الصعب أو المستحيل في تونس كسر دائرة ممارسة السياسة بالمشاعر والعواطف بدلا من إعمال العقل والنظر بموضوعية.
ومع أن هذا المشهد إلى جانب العديد من المؤشرات أفاد بأن الزعم هذه المرة أيضا بحياد الجيش وغيره من أجهزة الدولة ، بعيدا عن الصراعات السياسية واحترامها للدستور بمثابة خرافة تتحداها وقائع عديدة سابقة في تاريخ الدولة التونسية بعد استقلال 1956.
فقد جرى توظيف قوات الجيش من رئاسة الدولة ونظام الحكم بشكل مباشر لقمع انتفاضتي يناير 78 و 1984 ، أو بشكل غير مباشر مع فض اعتصام القصبة الأول بحلول مطلع فبراير 2011 حين انسحب الجيش ليفسح المجال لقوات وزارة الداخلية. لكن هذا لاينفى عن جنرالات القوات المسلحة بتونس أنهم تاريخيا بين جيوش الدول العربية الأقل تورطا وطموحا في حقل السياسة. كما ولا ينكر عليهم انحيازهم للثورة وحمايتهم لها في الأغلب.
ارتياح لحركة تصحيحية
وجد انقلاب 25 جويلية تأييدا وارتياحا بين التونسيين. وعلاوة على أنه ارتدى قناع “الحركة التصحيحية للثورة”، فقد جرى تمهيد الأرض له وحتى قبل وصول الرجل للرئاسة. وكثفت أجهزة إعلام الثورة المضادة داخل تونس ومن الإقليم خارجها جهودها قبل أسابيع. وأخذت ترفع سقف التوقعات وتنفخ في مبالغات وأكاذيب حول مظاهرات في الشارع للإطاحة بالبرلمان تقودها في الأغلب “عبير موسى” رئيسة الحزب “الدستوري الحر” معيدة توظيف فزاعة (الإخوان / النهضة) وأولوية التخلص منهم وإقصاء “النهضويين” تماما.
كان لقيادة “النهضة” أخطاؤها في حق التغيير والثورة وحقوق المواطنين، كما كان لخصومها.
وعلى كل الأحوال، فإن الناخبين أخذوا في معاقبتها فانخفض حظها من نحو مليون و400 ألف صوت و89 مقعدا بالمجلس التأسيسي عام 2011 إلى نحو نصف مليون و52 معقدا في برلمان 2019. ولم يكن صحيحا على أي نحو ، دعاية أعداء الثورة في الداخل والإقليم بأن السلطة كانت في أيدي “النهضة” تماما ووحدها وعلى مدى عشر سنوات، أو كون الرئيس “قيس سعيد” وخصومها إلى حد الإقصاء والاستئصال كحزب “عبيرموسى” غير مسئولين هم أيضا عن أزمة البلاد. ويكفي هنا الإشارة إلى أن كافة رؤساء الحكومات والعديد من وزرائها بعد انتخابات 2019 كانوا من اختيار الرئيس “سعيد” نفسه، وليس “النهضة”.
استطاعت “النهضة “بتحالف غير مبدئي مع حزب “قلب تونس” أن تصل برئيسها “راشد الغنوشي” إلى رئاسة البرلمان. لكن العديد من اختبارات القوى تحت القبة أظهرت أنها لاتمتلك أغلبية حاسمة أو مريحة. وتكفي الإشارة هنا إلى الاخفاق في توفير موافقة أغلبية البرلمان المطلوبة لتمرير حكومة “الحبيب الجملي”، وهو بالمناسبة من خارج النهضة.
وتكفي كمثال آخر الإشارة إلى إسقاط مشروع قانون “للنهضة” وائتلاف الكرامة في 10 ديسمبر 2019 بإنشاء صندوق للزكاة، وقد سقط بأغلبية 93 معترضا و17 متحفظا مقابل تأييد 74 من 187 حضروا من إجمالي 217 نائبا هم كل أعضاء البرلمان. وكنت عندما زرت تونس في أكتوبر 2019 لاحظت أن إنشاء هذا الصندوق يشغل جانبا مهما من دعاية الشوارع لبرنامج “النهضة” الانتخابي.
مفعول الثقافة المحافظة للبيروقراطية
ثمة أيضا جانب غير إرادي أو متعمد مصنوع في فهم هذا التأييد والإرتياح لانقلاب 25 جويلية بين قطاعات جماهيرية، وليس بالطبع كل الشعب التونسي. كان هناك الإحباط واليأس جراء الإخفاق في التغيير بعد عشر سنوات من الثورة وما أطلقته من آمال ظلت بعيدة عن الإنجاز. ومثل هذا الإحباط تفاعل وجرى إعادة توجيهه بواسطة دعاية قوى الثورة المضادة بالداخل والخارج القائلة بأن عهد الرئيس “بن علي” كان أفضل. وأيضا بالزعم أن تونس بلد لا يمكن حكمه إلا “برئيس قوي مطلق الصلاحيات”، وليس ببرلمان وحكومات ائتلافية سرعان ما تتنافر مكوناتها، وأن التونسيين ليسوا بحاجة إلى برلمان صاحب سلطات رقابية على الحكومة أو للحريات.
ويضاف إلى هذا ما لمسته خلال نقاشات تعددت مع عدد من كبار رجال الإدارة التونسية ، وفي وزارات مختلفة على مدى سنوات سابقة من “ثقافة محافظة” تنفر مما تعتبره السماح بجرعة زائدة من الحريات للمواطنين، ومن الاحتجاجات الاجتماعية في الشارع وتجاه مؤسسات الدولة وفي مواقع الانتاج، باعتبارها”فوضى” تتحدى “هيبة الدولة” ذاتها ، وتعرقل عجلة الانتاج”.
كما كان هناك عدم ارتياح لما يسمى ” بطبقة السياسيين والحزبيين الجدد” ووطأة رقابة علنية غير مألوفة أو مسبوقة من البرلمان على كبار رجالات الإدارة التونسية. وهذا على الرغم من أن من يطلق عليهم “الكفاءات” غير المسيسة بالأساس كان لهم نصيب وافر في رئاسة الحكومة ، كأسماء “مهدي جمعة” و “الحبيبالصيد” و”يوسف الشاهد”وحتى “هشام المشيشي” الذي أطاحت به 25 جويلية.
واللافت أن هكذا “ثقافة محافظة” بما تحمله من نفور وعدم ارتياح تمتد إلى الاتحاد العام التونسي للشغل ، كأكبر وأعرق نقابة عاملين يتحدى نمو نفوذها التاريخي شبه المستقل (منذ ماقبل الاستقلال ومع الدولة بعده) في المجالين العام والسياسي ، يتحدى سلطة الدولة ويربكها ويهدد “هيبتها”.
وعلى أي حال، فسلوك ومواقف البيروقراطية من الثورة والانتقال إلى الديمقراطية أمر يتطلب النظر بالأصل من خلال مباحث علوم السياسة والإدارة عالميا بشأن بطء استجابة البيروقراطيات ومقاومتها للتغيير المجتمعي والسياسي، وحتى لو توافر لهذا التغيير أحيانا تأييد وحماس وقيادة في أعلى السلطة.
ويصعب بالنسبة لي على البعد تقدير صحة ما تم نشره وإشاعته عن حجم التعبئة الشعبية في الشارع يوم 25 جويلية. سألت حينها مصادر متعددة داخل تونس، فجاءت التقديرات متباينة. لكن يقينا لم تكن هذه التعبئة لا في مستوى 14 يناير 2011 بشارع الحبيب بورقبية في قلب العاصمة حيث مقر وزارة الداخلية يوم الإطاحة بالدكتاتور “بن على”، ولا حتى آخر مسيرة جماهيرية نظمتها حركة “النهضة” في 27 فبراير 2021 . ولا هي تقارن بأي من المسيرات الضخمة التي نظمتها “جبهة الخلاص” المعارضة للرئيس “قيس سعيد” (وتضم النهضة) بعد 25 جويلية.
حلف 25 جويلية
يتكون الحزام السياسي الاجتماعي الداعم للرئيس “قيس سعيد” الذي برز مع 25 جويلية وفي أعقابها من مكونات عديدة سنتوقف عند أبرزها ، مع الإشارة هنا إلى مآلات مواقفها بعد استفتاء الدستور الجديد والانتخابات التشريعية.
هناك أولا العناصر الأكثر حسما في انجاح خطوات 25 جويلية واجراءاتها وهي القيادات والكوادر العليا لمؤسستي الأمن والجيش وأجهزة الاستعلامات (المخابرات). وقد حرص الرئيس “سعيد” على تكثيف اللقاءات والاجتماعات معهم، وإبراز توطيد صلاته بهم. وبالطبع كغيرها من الانقلابات (*)،سارع قائدها / رئيس الدولة بإدخال تغييرات على العديد من المناصب القيادية في هذه المؤسسات والأجهزة لضمان الولاء لشخصه ولإجراءاته من المؤسسات والهيئات وضد القوى المعارضة المحتملة.
ظهر ومازال الرئيس في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وبكثافة وهو يروج لخطابه السياسي الصدامي ويهاجم خصومه السياسيين بحضور هذه القيادات. و بدا أن حلقة وثيقة من بينهم سرعان ما أحاطت بالرئيس، وجعلته أسير هواجس أمنه وتأمين سلامته. الأرجح كما في سنن الإنقلابات وفقهها أنه أصبح هو بدوره أيضا أسير هذه الحلقة، واستنادا إلى تجارب عديدة في العالم بشأن صعود ومسار الدكتاتوريات.
التنسيقيات السعيدية وتنظيمات ما بعد 25 جويلية
من بين حلف قيس سعيد تبرز مجموعات شبابية ساخطة على الأحزاب والسياسيين بالمطلق . وقد ظهرت مع الانتخابات الرئاسية خريف 2019 هذه المجموعات اعتبارا من مرحلة جمع التزكيات لـ”قيس سعيد “المرشح المستقل تحت مسمى “التنسيقيات”. ثم بطوال حملته الانتخابية التي أطلق عليها “تفسيرية”. ولقد أتيح لي خلال زيارة تونس أكتوبر من ذلك العام لقاء أعداد من هذا الشباب. وتحيرت حينها في فهم أقوال وسلوكيات العناصر اللصيقة منهم بحملته الانتخابية وفي مكتبها الرئيسي بنهج “ابن خلدون” بوسط العاصمة، وذلك نظرا لغموض إجاباتهم وتصرفاتهم، وكأنهم أعضاء فيما يشبه “المحفل الماسوني”.
ولكن في ظل النشوة الجماهيرية بقراءة انتصار “سعيد” في الجولة الثانية بوصفه أصبح يحمل لواء “مرشح الثورة” ولأن أعداء الثورة على الصعيد الإقليمي ودعايتهم تفيد بأن الرجل ليس مرشحهم المفضل في الجولتين بل كانوا يدعون بأنه “إخواني”، فلم اكترث وغيري من الزملاء الصحفيين الأجانب كثيرا لما لمسته من “خشونة ميليشاوية” عندما عدت في ظهيرة اليوم التالي لإعلان نتائج الجولة الثانية لأقوم بالتقاط صور فوتوغرافية من الخارج لهذا المقر الانتخابي ، والحقيقة عشت دقائق في خطر لم اتنبه لدلالته إلا عندما تابعت بعدها بسنوات على شاشات التلفزيون عن بعد هذا “العنف اللفظي” مع ” الديماجوجية” والاتهامات والأحكام المطلقة بدون أسانيد الذي يعتمده معظم أنصار “قيس سعيد” بين هؤلاء الشباب دفاعا عن “25 جويلية” ومساره، وقائدهم الذي يختصر الشعب في ذاته و “مايريد هو”.
هذه “التنسيقيات” تبقى ويظهر منها مع انتخابات 17 ديسمبر 2022 وجوه أشبه “بالباندية ” ( لفظة تونسية تعني بلطجية عندنا). وعلى خطورتها لم أعثر على تقرير أو دراسة تشرح إلى ماذا انتهت هذه التنسيقيات مع تمكن “إلاهها” من سلطات الدولة الثلاث، ومعها أجهزة القوة من شرطة وجيش ومخابرات. وكان “رضا المكي” منظم ومنظر حملة “قيس سعيد” الانتخابية قد قال لي بعيد الانتخابات الرئاسية في حوار مطول نشره موقع جريدة “المشهد” في 1 نوفمبر 2019 إن هذه التنسيقيات لن تتطور إلى أحزاب أو حركات سياسية، وذلك اتساقا مع رفض الأجسام الوسيطة مع الشعب . وهو الشعب الذي شرح حينها “المكي” تصور “سعيد”عنه بأنه “شعب بلا لون”، وذلك مع وصم “النخب التقليدية” بأنها هي التي تحول الشعب إلى ألوان مختلفة.
كم من أعضاء هذه التنسيقيات يصعد في انتخابات “برلمان الرئيس”؟. لا أحد يمكنه لليوم إعطاء تقدير موثوق. لكن ماهو معلوم أن عددا من الحركات والأحزاب الجديدة التي ظهرت بعد 25 جويلية 2021 داعمة لهذا المسار، تختلط في قياداتها وجوه لأعداء الثورة ومن أنصار نظام “بن علي” بأخرى جديدة ظهرت في “التنسيقيات السعيدية”. ولكن عندما يصرح “فاروق بو عسكر” رئيس هيئة الانتخابات المعينة ( الإيزي الجديدة) في مؤتمره الصحفي يوم 27 ديسمبر 2022 بأن 170 من 262 يخوضون جولة الإعادة على 131 من إجمالي 161 مقعدا هم من موظفي الدولة والقطاع العام، يمكننا أن نتصور بأن “البيروقراطية” هي التي تسرع بملء “مؤسسات قيس سعيد “.
ناصريون في “حلف سعيد”
وعلى الرغم من خطاب “قيس سعيد” ضد الأحزاب والحزبية والسياسيين بالمطلق، فسرعان ما وجدت بين “حلف 25 جويلية” أحزاب كان لها تمثيلها في البرلمان، الذي قام بتجميده وإغلاق مقره ومعه متحف “باردو” الأهم في البلاد وحجب موقعه وأرشيفه الإليكتروني وصولا إلى حله. ومن أبرز هذه الأحزاب وفي مقدمتها حزب “حركة الشعب” العروبي الناصري بقيادة أمينه العام “زهير المغزاوي“. وهنا على موقع جريدة ” المشهد” حوار أجريته معه منشور بتاريخ 6 نوفمبر 2019.
وتعد الحركة والتيار الناصري بالعموم في تونس من بين المستفيدين من الثورة ومسار الانتقال للديمقراطية خلال العشرية التالية عليها . أصبح لهما العديد من المقرات الحزبية بطول البلاد وعرضها ووزراء في حكومات متعاقبة، وممثلين في مؤسسة البرلمان. وارتفع عدد نواب “حركة الشعب” من 2 بالمجلس التأسيسي (2011 ـ 2014) الذي وضع دستور الثورة. وعاد الحزب وبارك العدوان عليه وإلغاءه، ثم من 3 إلى 15 بين برلماني 2014 و 2019. وفي التشريعية الأخيرة حل رابعا بين الأحزاب الفائزة.
وبعدما كان قد راجع عناصر في الأيديولوجية الناصرية تمشيا مع تحولات الديمقراطية والحريات وإعادة الاعتبار “للبورقيبية” بعد الثورة، عاد حزب “حركة الشعب” مع 25 جويلية ليسترجع بقوة وصم الديمقراطية بالفاسدة ولينادي بـ “ديموقراطية اجتماعية وحقيقية”. وهكذا تراجع ليضع الديمقراطية الاجتماعية في تناقض وتناحر مع الديمقراطية البرلمانية. والحزب على صعيد السياسة الخارجية معروف بدعمه للرئيس السوري “بشار الأسد” ولنظامه وزعامته ضد الثورة في بلاده ، ويتخذ مواقف مماثلة تجاه العديد من المجتمعات العربية التي تعاني الاستبداد والفساد، معتبرا أن “الدفاع عن الدولة الوطنية والأمن القومي أولوية” تتقدم كل حقوق وحريات وديمقراطية.
ويظل الحزب داعما للرئيس “قيس سعيد” حتى بعد عزوف انتخابات 17 ديسمبر، وأصدر بيانا في 21 ديسمبر دعا فيه لاستيعاب الدرس، مختصرا أسباب الأزمة في إهمال الملف الاجتماعي الاقتصادي والتقصير في حماية مسار 25 جويلية والانفتاح على القوى الداعمة له. كما حمل حكومة ” نجلاء بو دن” المسئولية الأكبر. ومن المرجح أن تستمر “حركة الشعب” في خطها الداعم للرئيس “سعيد” وإجراءاته المترتبة على الدستور الجديد.
ولقد تجاهل البيان المشار إليه سلفا الإفصاح عن الحصاد الذي خرج به الحزب من جولة الانتخابات التشريعية 17 ديسمبر. ولكن وفق تقرير لوكالة “الأناضول” من تونس بتاريخ 21 ديسمبر 2022 تقول مصادر “حركة الشعب” بأنها حصدت مقعدا وحيدا من إجمالى 23 فائزا، ومازالت تراهن على حظوظ أربعين مرشحا من بين إجمالي 131 مقعدا في الدورة الثانية الحاسمة. إلا أن رئيس (الإيزي) المعينة عاد في مؤتمر صحفي يوم 27 ديسمبر 2022 ليقول أن لـ”حركة الشعب” 12 مرشحا من بين 22 أعلنوا انتماءهم لأحزاب يخوضون الجولة الثانية الحاسمة ومن إجمالي 262 مرشحا. وتوضح معطيات الهيئة هذه أن “حركة الشعب” هي الحزب الأول بالنسبة لعدد المرشحين في الجولة الثانية.
و”التيار الشعبي” الناصري أيضا
ثمة أيضا حزب عروبي ناصري “التيار الشعبي” برئاسة أمينه العام “محمد زهير حمدي” يؤيد ومازال مسار 25 جويلية. لكنه بالغ الهامشية ولم يكن له أي تمثيل في برلمان 2019، وإن كان يكتسب مكانته المعنوية من كونه حزب الشهيد ضحية الإرهاب والإغتيالات “محمد البراهمي”رحمه الله، ومن كونه يضم”مبروكة البراهمي / عوينية أرملته النائبة السابقة بكتلة ائتلاف “الجبهة الشعبية ” اليسارية في برلمان ( 14 ـ 2019).
وأصدر هذا الحزب بيانا في 20 ديسمبر 2022 عزا فيه العزوف عن الانتخابات التشريعية “لتعثر مسار المحاسبة عن العشرية السابقة وللإنهيار الاقتصادي الاجتماعي المعيشي لعموم التونسيين، ولغياب التشاركية وتهميش دور الأحزاب والتفرد بالرأي”. لكن البيان جدد تمسكه بمسار 25 جويلية مؤملا في ” الحسم النهائي مع ملف المحاسبة لكل من تورط في الاغتيالات والتسفير (مايتردد عن تورط النهضة وإسلاميين آخرين في إيفاد شباب تونسي “للجهاد” (في سورية والعراق وليبيا) والتمكين للإرهاب و كل رموز الفساد السياسي “.
تحولات حزب يساري بين حلف الرئيس والخروج عليه
ثالث أبرز القوى الحزبية التي كانت في السابق ضمن حلف الرئيس سعيد/ 25 جويلية هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (الوطد) اليساري. وعلاوة على ما يتمتع به هذا الحزب من شرعية تاريخية منذ عهد الرئيس “بورقيبة”، فهو حزب الشهيد “شكري بلعيد”، والذي كان أمينه العام، و بما لاستشهاده في فبراير 2013 من رمزية مهمة في مواجهة حزب “حركة النهضة” . وهذا بصرف النظر عن صحة ومصداقية الإتهامات الموجهة لقيادة الحركة بالتورط في الاغتيال أو الحكم على إساءة توظيف هذا الإغتيال في خدمة الثورة المضادة وضرب الديمقراطية الوليدة بتونس. واللافت أن حزب “الوطد الموحد” لم يكن له وجود مهم في برلمان 2019 أو حكومات ما بعد الثورة.
ومن الواضح أن ” الوطد الموحد” ـ وكغيره من أحزاب مسار 25 جويلية ـ اعتقد أن الرئيس ” قيس سعيد” سيحسم اقصاء واستئصال “النهضة”، ويدفع إلى إدانة دامغة لقيادتها في إغتيال الشهيدين ” بلعيد” و” البراهمي” وغيرها من ملفات الإرهاب. ولقد مرر الحزب الإطاحة بالبرلمان ودستور الثورة والعديد من ممارسات الانتقاص من الحقوق والحريات. لكنه ربما أدرك بأن الرئيس “سعيد” يستخدم الملفات ضد ” النهضة” وفق حسابات تخصه هو، ويراعي اعتبارات داخلية واقليمية ودولية يبدو وكأنها تمنع من المضي في الشوط بحسم للنهاية وسريعا. وربما وصل إلى قناعة بأن الرئيس يستدعى هذه الملفات بين حين وآخر للتغطية على إنتهاك أو فشل ناجم عن سياساته.
واعتبارا من 23 يناير 2022 حدث التحول الأبرز في موقف “الوطد الموحد” من الرئيس “سعيد” منذ أن منحه تأييده في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية 13 أكتوبر 2019 ، وذلك حين أصدر الحزب بيانا اعتبر فيه أن “سلطة 25 جويلية فشلت في طرح بديل سياسي مجتمعي عن التحالف السياسي الذي نجحت في إزاحته عن السلطة” ، ومشيرا إلى ” شيطنة النضال الشعبي والحركات الاجتماعية والتحريض عليها”. ولاحقا دعا “الوطد الموحد” بدوره منفردا ودون الدخول في تحالف معارض إلى مقاطعة انتخابات 17 ديسمبر. وعاد بعدها بيومين، وأصدر بيانا في ختام دورة لجنته المركزية الثلاثين اعتبر فيه أن “السلطة القائمة تفتقد كل شرعية شعبية تدعيها أو مشروعية في مواصلة الحكم”. كما رفض ماوصفه بـ “البدائل الإخوانية والتجمعية المستنجدة بالسفارات والقوى الأجنبية للعودة للحكم”، في إشارة إلى كل من “النهضة” و “الدستوري الحر”.
لكن تحولات “الوطد الموحد” على هذا النحو، جرت عليه انشقاقا مهما من جانب أبرز قادته اعلاميا وبرلمانيا وفي الهجوم على قيادة “النهضة”، وذلك بعد فصل القيادي”منجي الرحوي” مطلع يونيو 2022 لمشاركته في الإعداد “الصوري” لدستور “قيس سعيد”. والأرجح أن يعاني الحزب من الانشقاق بين جناحين: واحد يقوده “زياد الأخضر” الأمين العام والنائب في برلمان (2014 ـ 2019) والثاني “الرحوي” النائب في برلمان 2019.
وعلى أي حال تستحق تجربة اليسار التونسي بمختلف تنظيماته ورموزه بعد الثورة مقالا خاصا خارج سياق هذه السلسلة ، وهذا لأن أزمة اليسار التونسي بتنظيماته وأحزابه وائتلافاته المتعددة وبأخطائه تعد بدورها جزءا أصيلا من أزمة تونس الراهنة، على الرغم مما أتيح له بعد الثورة التونسية من فرص تمثيل وحضور ومساحات حركة وحرية يندر أن توافرت لمثيله في المجتمعات العربية. ( يتبع )
كارم يحيى يكتب: غضب المرأة والشباب وفقدان الثقة في مسار 25 جويلية
بعد ساعات من بدء الاقتراع في انتخابات 17 ديسمبر 2022، اعترفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (الإيزي) والمعينة من الرئيس “قيس سعيد” بالعزوف غير المسبوق عن المشاركة أيضا بين المرأة والشباب مقارنة بالعشرية اللاحقة على الثورة. وفي المؤتمر الصحفي بعد يومين لإعلان النتائج الأولية الرسمية قال رئيسها “فاروق بوعسكر” أن 34 في المائة فقط بين المصوتين نساء ، فيما يبلغ نصيبهم من الناخبين المسجلين في الجداول (السجل الانتخابي) 51 في المائة. أما الشباب فقد جاء اعتراف (الإيزي) مبكرا بعزوفهم، وفي نهاية يوم الاقتراع، عندما صرحت بأن 70 في المائة من المصوتين كهول وشيوخ تفوق أعمارهم 45 سنة، وعلما بأن تونس مجتمع يغلب عليه الشباب.
توجهات الرئيس “المحافظة”
وللعزوف غير المسبوق بين التونسيات هذه المرة عوامل متعددة تستحق إلقاء الضوء عليها. فبالأصل الرئيس “سعيد” معروف بتوجهاته وآرائه “المحافظة” تجاه حقوق المرأة والعديد من مقومات الحريات الفردية، وحتى قبل توليه الرئاسة. ولاحقا وعندما تمكن من الإنفراد بالسلطة وإعادة صياغة نظام الدولة بعد 25 جويلية / يوليو 2021 تعمد تصميم نظام انتخابي ينتقص من مكتسبات المرأة السياسية بفضل الثورة. واللافت أن المرأة التونسية حققت خلال العشرية التالية للثورة مكتسبات إضافية على الصعيد الاجتماعي وأبعد من زيادة وترسخ التمثيل السياسي لها. وعلى سبيل المثال ، سن البرلمان في 2017 قانون القضاء على العنف ضد المرأة مع وضع آليات لتنفيذه. كما توقف تضييق سلطة الدولة على المحجبات في الفضاءات العامة، بما في ذلك أماكن العمل والدراسة.
استبدل الرئيس “قيس سعيد” دستور الثورة 2014 حصيلة النقاش المجتمعي والسياسي والفكري الكبير والصعب وما استحدثه من نصوص تقدمية فريدة في محيطها العربي بالنسبة للحريات العامة والفردية وحقوق المرأة بدستور 2022 الذي خطه بنفسه. ثم ألغى ضمانة التناصف بين الرجال والنساء عند الترشح للانتخابات البرلمانية. وهي الضمانة الدستورية والقانونية التي مكنت المرأة التونسية من خلال نظام القائمات الحزبية والائتلافية والمستقلة من نسبة تمثيل معتبرة في البرلمان. وهكذا ارتفع نصيبها إلى 72 من إجمالي 217 مقعدا وبنسبة 31 في المائة بالمجلس التأسيسي (2011 ـ 2014) ، وإلى 76 مقعدا وبنسبة 33 في المائة مع برلمان (2014 ـ 2019) كما دخل برلمان (2019 ـ 2021) 57 إمرأة بنسبة 26 في المائة، وقبل أن يضاف إليهن المزيد مع تولى عدد من النواب ممن كانوا على رأس القائمات الفائزة مناصب وزراية.
والآن إذا ما مضى الرئيس “قيس سعيد ” بتونس إلى الشوط الأخير في هذه الانتخابات وأجرى مرحلة الإعادة على 140 من إجمالي 161 مقعدا فإن نصيب المرأة سينخفض حتميا بشكل درامي. وبالأصل ومن المنبع فإن 122 إمرأة تخوض هذه الانتخابات وبنسبة لاتتجاوز 11 في المائة من إجماليالمرشحين. وهذا بعد إلغاء نظام القائمات ومعه التناصف بين الذكور والإناث ، ومع اعتماد التنافس الفردي ما يرجح إحياء العصبيات الجهوية والعروشية، ومعها انتماءات ما قبل المواطنة. وهو ما يقطع حتى مع ميراث “دولة الاستقلال” الذي تبني نظام القائمات منذ البداية، ومع انتخاب المجلس القومي التأسيسي عام 1956. وثمة هنا تفسيرات متعددة بين المؤرخين التونسيين لخيار القائمات المبكر بعد الاستقلال لا يمكن أن نغفل من بينها الرغبة في تجاوز الانتماءات دون المواطنة، و السائدة بخاصة في المناطق والجهات الريفية والبدوية.
الأكثر “محافظة ” تجاه حقوق المرأة
والحقيقة أن الرئيس “سعيد” صاحب التوجهات “المحافظة” وقبل أن يسكن قصر “قرطاج” عنده مشكلة مع المجتمع المدني النسوي التقدمي وطموحاته، وإلى حد الاختلاف وإن لم نقل التنافر. وهذا على عكس الرئيس السابق المرحوم ” الباجي قايد السبسي” الوريث السياسي للحبيب بورقيبة الزعيم ومؤسس “الدولة الوطنية”. وتعزى إلى شخصية ” السبسي” وتوجهاته مشاركة النساء بكثافة وبأعلى نسبة في الانتخابات التشريعية والرئاسية خريف 2014 بين كافة استحقاقات بعد الثورة. فقد شاركن بكثافة في الاقتراع، وصوتن “للسبسي” ولحزبه “نداء تونس “، وأوصلوه إلى قصر “قرطاج” الرئاسي في مواجهة حزب “النهضة” الإسلامي وتصاعد ضربات الإرهاب باسم الدين ومخاوف الانتقاص من حقوق المرأة الموروثة من عهد “بورقيبة”. وامتلك الرجل من موقعه في “قرطاج” شجاعة أن يطرح للنقاش على المجتمع في عيد المرأة التونسية 13 أغسطس 2017 المساواة في الميراث بين المرأة والرجل. كما ألغى وبالفعل قرارات حكومية وإدارية نافذة منذ ماقبل الثورة تمنع زواج التونسية المسلمة بغير المسلم من مواطنيها أو الأجانب.
وهذه التوجهات تحفظ عليها وعارضها “قيس سعيد”. بل يمكن أن نصفه دون تجن أو شطط في الحكم بأنه أكثر رؤساء الجمهورية “محافظة” تجاه قضايا المرأة بالمطلق. وبالطبع لا يمكن مقارنته في هذا الشأن بالرئيس الأسبق “المنصف المرزوقي” أحد رموز الحركة الحقوقية التونسية، والذي تبني دون لبس المبادئ الكونية العالمية لحقوق الإنسان ، بما في ذلك حقوق المرأة. بل ويمكن القول كذلك بأن الرئيس “سعيد” في هذا المجال أجرأ تعبيرا عن “محافظته” من قادة حزب “حركة النهضة”.
كما لدى الرئيس “قيس سعيد” مشكلة أظنها كامنة وأوسع نطاقا مع الحركة الحقوقية التونسية، والتي تعد الأقدم والأعرق في العالم العربي وأفريقيا. وفي هذا السياق، يؤخذ عليه سلبيته إزاءها وغربته عنها منذ تأسيسها في عقد السبعينيات. وزد على هذا، أن هذه الحركة انتقلت إلى معارضته عندما استفاقت ولو متأخرا لخطورة تداعيات 25 جويلية على الحريات، وعندما عاينت ما لحق هذا التاريخ سريعا من وقائع بلاحصر لانتهاكات غير مسبوقة بعد الثورة تجاه معارضي الرئيس، وعلى غرار المحاكمات العسكرية للمدنيين والعدوان على حرية الصحافة.
قراءة لغة الجسد بين “سعيد” و”نجلاء”
وتأتي مؤشرات العزوف عن المشاركة في انتخابات 17 ديسمبر لترجح أن مبادرة الرئيس ” سعيد ” تعيين إمرأة في منصب رئيسة الحكومة للمرة الأولى بتاريخ البلاد سرعان ما أعادت نساء تونسيات وعلى نطاق واسع قراءتها بما يبطل استثمارها الدعائي والسياسي إيجابيا. وإذ اتضح كون السيدة “نجلاء بودن” لا يمكنها إلا أن تظهر بحضور باهت هامشي و”أنثوي خجول” إلى جانب “الرئيس الذكوري القوي”.وتبدو علاقة السيدة “بودن” بالرئيس ترسخ صورة نمطية لها كإمرأة ضعيفة مهيضة الجناح خفيضة الصوت ، يستدعيها لتجلس أمامه ساكنة منكمشة على ذاتها، وهي تستمع بصبر دون نقاش أو كلام. وهو كأنه يستعملها كناقل صوت أو رسائل مكرورة يخاطب من خلالها بغضب وتشنج جمهورا غائبا يتخيله.
ويضاف إلى هذا أن السيدة “بودن” تبدو عند جموع التونسيين بلا صلاحيات ولا رأي. بل وظهرت في مناسبات عامة كرقم (2) بعد قرينة الرئيس. وكل ما سبق يعزز إدراك قطاعات من التونسيات والتونسيين بالتوازن المختل حد التطرف في العلاقة الظاهرة بين “رئيس الدولة” و”رئيسة الحكومة”، أو مايسمى تاريخيا في تونس بعد الاستقلال “الوزير الأول”. ولعل من المفيد هنا مقارنة “لغة الجسد” في جلوس السيدة “بودن” أمام الرئيس “سعيد” بما لاحظت في أرشيفات صحف الثمانينيات بالمكتبة الوطنية بتونس كيف كان يجلس الوزير الأول السيد “محمد مزالي” أمام الرئيس “بورقيبة” منتصب القامة، بل ويضع ساقا فوق ساق.
عزوف الشباب.. لماذا؟
ويتعلق الضعف غير المسبوق للمشاركة في انتخابات 17 ديسمبر بكتلة أخرى حرجة، هي الشباب. وتأتي هذه الانتخابات لتؤشر إلى ما أصابه من إحباط بدوره من وعود الرئيس “قيس سعيد” المؤجلة بلا أفق كي ينصفه وينتشله من إهمال واستغلال من يصفهم “بالسياسيين الفاسدين”. مر الوقت ويمر بعد 25 جويلية 2021 حين انفرد “سعيد” بكل سلطات الدولة تقريبا دون أن يشهد الشباب نقلة مؤثرة تعالج معاناته من البطالة والتهميش ، نقلة ترتفع إلى مستوى “خطابه الشعبوي”. بل زاد على هذا أن الرئيس يماطل في إصدار الأمر التنفيذي لتطبيق قانون أقره البرلمان الذي عطله وقام بحله يلزم الدولة بتوفير عمل للعاطلين منذ عشر سنوات ويزيد.
وفوق هذا، فإن عهد السلطة المطلقة لـ” الرئيس سعيد” لم يعرف تغييرا ملحوظا في العلاقة المتوترة وتاريخيا بين شباب الأحياء الشعبية والبوليس (قوات الأمن بشقيها الشرطة والحرس الوطني). بل جاءت تصريحات الرئيس في غير مناسبة إلى جانب قوات الأمن في صداماتها معهم. وهو ما قرأته قطاعات من هؤلاء الشباب بوصفه ضمانا لولاء المؤسسة الأمنية ذات الأولوية وتوظيفها في صراع الرئيس مع معارضيه.
وباستثناء قرارت “سعيد” تعيين نفر من وجوه الشباب ممن كانوا في الحركات الاجتماعية قبل صعوده للسلطة بمناصب تنفيذية مثل الولاة والمعتمدين (رؤساء المدن) يصعب أن نلحظ تغييرا جوهريا في سياسة حكومته عن سابقاتها إزاء هذه الاحتجاجات أو أسبابها. بل والأخطر أن هناك مؤشرات على أن الظروف أصبحت مواتية أكثر عن ذي قبل لمواجهة أكثر خشونة وعنفا من أجهزة الدولة وبوليسها إذا ما شهدت تونس مستقبلا موجة جديدة قوية من هذه الاحتجاجات. وهو أمر غير مستبعد على ضوء تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية عما كانت قبل 25 جويلية.
وبالأصل يعد “الرئيس سعيد” بحكم العمر (تجاوز 64 سنة) استمرارا لظاهرة هيمنة “كبار السن” ـ إلا فيما ندر ـ على مؤسسات الحكم والسياسة بعد الثورة، والتي كان وقودها الشباب وفي مقدمة صفوفها. ويبدو أن الاعتبارات السابق ذكرها بشأن تعقيدات علاقة الرئيس بالشباب قد أفقدت “مبادراته الرمزية” إزاءهم تأثيرها ولمعانها. والمقصود مبادرات مثل “الشركات الأهلية” وبيع “الأراضي الدولية/ المملوكة للدول”. ناهيك عما أصبح بمثابة ذكريات بعيدة نائية تحفظها صور باهتة توارت اليوم تظهره وهو يسكن في حي “المنيهلة” الشعبي بضواحي العاصمة أو يدخل مقهى متواضع ليجلب بنفسه القهوة ليشربها وسط زحام رواده.
وما حدث بعد أن راجت صور “للرئيس سعيد” وهو يتحرك في مواكب / أساطيل من السيارات الفخمة. ويمشى على سجاد أحمر وثير. ويحيط به أينما حل ـ وحتى وسط المواطنين في الشوارع ـ كوكبة من رجال أمن لشخصه أشداء أنيقي الملابس، يخفون أعينهم بنظارات شمس سوداء، ولو فيالليل البهيم. وهكذا وعلى نحو لم يلاحظ على سلفيه في الرئاسة “الدكتور المرزوفي” والمرحوم ” السبسي”. وكأن “سعيد” ـ ومعه من يمثلهم ويدعمونه ـ وهو يعيد انتاج سطوة وهيبة “الدولة” التي هددتها الثورة وما تلاها من عشرية يتورط بالمبالغة في مظاهر القوة والفخامة حول “رأس الدولة ورمز هيبتها”، وعلى نحو يستفز المجتمع ، وبخاصة الشباب الفقير والمهمش.
وعلى أي حال، فإن “شعبوية” الرئيس “قيس سعيد” تتعرض بعد 25 جويلية لجملة تحديات على هذا الصعيد. فمن جانب هناك انتقادات بدأت تطل برأسها عن انعدام الشفافية بشأن ما يتردد عن تضخم نفقات رئاسة الجمهورية. وكان من الطبيعي أن ينخفض مستوى شفافية السلطة في تونس مع غياب برلمان يناقش تفاصيل ميزانية الدولة كما كان بعد الثورة ، وفي ظل الانتقاص من مساحة الحريات وبخاصة حرية الصحافة. ومن جانب آخر، أصبح مطروحا أمام التونسيين العودة للمقارنة بين الفساد في ظل نظام سلطوي مغلق وبين الفساد تحت ملاحقة ورقابة معارضة برلمانية وصحافة حرة وهيئات رقابية مستقلة. وهذا وإن ظل ” لسعيد” بين قطاعات من التونسين مصداقيته كرجل نظيف لم يتورط في الفساد.
ومن جانب ثالث، فإن ضغط تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية على الطبقات الشعبية والوسطى من شأنه أن يدفع إلى مقارنات مع الإنفاق على مايسمى بـ “هيبة الدولة” في ظل غياب الشفافية الكافية. وفي كل الأحوال، فإن هذا التدهور ألقى بظلاله بشكل مباشر على يوم انتخابات 17 ديسمبر، حيث قارن مراقبون بتونس وبالصور الفوتوغرافية بين خلو لجان ومكاتب الاقتراع شبه التام من الناخبين وبين الطوابير الطويلة لمواطنيهم في الوقت نفسه طلبا للحليب وغيره من المواد الغذائية الأساسية والتي باتت شحيحة مرتفعة الأسعار.
أزمة ثقة مع البرلمان وهيئة الانتخابات
عزوف الناخبين غير المسبوق في تونس بعد الثورة قد يرجع أيضا إلى قناعة تولدت بين الناخبين بعبث ولاجدوى برلمان تم الانتقاص من صلاحياته إزاء الحكومة ورئيس الدولة، وبما في ذلك إسقاط ما كان من حقوقه في منح الثقة للحكومة وسحبها منها ومساءلتها. فضلا عن تجريد النواب الجدد من الحصانة، وحرمان ما كان للمعارضة داخل البرلمان في الدستور والبرلمان بعد الثورة من صلاحيات وتمكين، وبما في ذلك رئاسة لجنة المالية التي تناقش الميزانية السنوية للدولة.
وأمامنا افتراض آخر في تفسير العزوف الأكبر للناخبين. ويتعلق بما طرأ على رصيد الثقة السابق في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (الإيزي)، والتي راكمته منذ أول استحقاق بعد الثورة في عام 2011. والحاصل أن الرئيس “سعيد” أقال مجلسه المنتخب من البرلمان وقبلها من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وعبر توافقات صعبة بين القوى السياسية والمجتمعية. واستبدل محله وقبل استفتاء دستور 2022 مجلسا عينه بنفسه مستعينا ببعض أعضاء المجلس السابق المنسجمين مع مشروعه وقراراته بعد 25 جويلية.
وفي الممارسة العملية بعدها، وبخاصة مع استفتاء 25 جويلية على الدستور الجديد، أعطى رئيس (الإيزي) الجديد ومجلسها الإنطباع بانصياعه الكامل لرغبات الرئيس “سعيد” واستعداده لابتلاع وتبرير أي خرق ضد القوانين والأعراف الديمقراطية. وكذا ضد التقاليد الانتخابية التي كانت مرعية بعد الثورة، ومن بينها احترام الجميع للصمت الانتخابي، بما في ذلك رئيس الجمهورية نفسه ومتطلبات حياد الهيئة ذاتها.
ولاشك أن الاستفتاء على الدستور الجديد و الطعن على مصداقية نسب المشاركة فيه أسهم بقسط وافر في ترسيخ قناعة عند قطاعات من الناخبين بأن (الإيزي) لم تعد كما كانت على استقلاليتها ونزاهتها وحيادها واحترافيتها، وأن زمن الثقة في القبول بنتائج انتخاباتها خلال العشرية اللاحقة للثورة ولى، وأن “ريمة عادت لعادتها القديمة” .
وجاء يوم الاقتراع 17 ديسمبر ليكثف قناعة بالعودة لممارسات اختفت بعد الثورة أو كادت، إذ رصد ملاحظون ووثقوا وقائع نقل جماعي للناخبين، ودعاية ورشوة وتوزيع أموال أمام اللجان، ومنع ملاحظين للمجتمع المدني ومندوبين لمرشحين من الدخول لمكاتب الاقتراع والتنقل بينها ، والتضييق على الصحفيين في التصوير .
وهذا فضلا عما لاحظت بنفسي من تحيز سافر لتلفزيون الدولة يوم الاقتراع لخيار الرئيس “قيس سعيد” والتجاهل التام للمقاطعين والعازفين عن المشاركة. بل وتبني رئيس “الإيزي” وبعض أعضاء مجلسها لخطاب سياسي وتبريري ومرتبك ومخالف للحقائق، و في تجاوز للحياد ومهنية والاحترافية والواقع من أجل “خيار الرئيس”. ولفتني أيضا من المتابعة عبر شاشات التلفزيون على البعد ما استجد في تجنب غالبية رؤساء فروع (الإيزي) تقريبا التصريح للإعلام بأرقام من انتخبوا وبالنسب المئوية من إجمالي المسجلين لديهم. وهذا بالتناغم مع تجاهل غالبية مراسلي تلفزيون الدولة في اللجان تقديم معطيات إحصائية عن تقدم التصويت. بل تورط (الإيزي) وتلفزيون الدولة مع الساعات الأولى ليوم الاقتراع في إعطاء انطباعات غير صحيحة عن المشاركة بأنها “كثيفة ” أو “عادية ” أو “متوسطة” أو مماثلة لما كان في الاستحقاقات السابقة.
مفعول ” المرايا العاكسة” من الخارج
ويمكن أن نضيف إلى ما سبق ما تناهى لجموع الناخبين التونسيين من أصداء انحسار الاهتمام العالمي بهكذا انتخابات تونسية ، مقارنة بما كان في عشرية ما بعد الثورة. ولا شك أن التدفق الهائل للمعلومات والآراء من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والأطباق اللاقطة للفضائيات الدولية عزز عندتونسيين قناعات بعبثية وهامشية هذه الانتخابات ، وبمفعول يشبه ” المرايا العاكسة “. ويبرز في هذا السياق، إعلان البرلمان الأوروبي للمرة الأولى بعد الثورة الامتناع عن إيفاد بعثة لملاحظة الانتخابات بتونس. وزد على هذا فإن ملاحظة أو مراقبة المجتمع المدني المحلي للانتخابات التشريعية قد انحسرت. ويكفي للتدليل على هذا أن عدد الملاحظين المحليين المعتمدين من (الإيزي) في عام 2011كان نحو 13 ألفا و 400 ملاحظ ، وارتفع إلى نحو 28 ألفا في 2014 و 17 ألفا و500 في 2019، ثم لم يتجاوز 4 آلاف و500 ملاحظ مع انتخابات 17 ديسمبر 2022.
وفي كل هذا وغيره ما يعزز فقدان الثقة في عملية الانتخاب وهيئتها والقبول بالنتائج. وجميعها كانت من مكاسب عشرية ما بعد الثورة.
.. والسؤال الآن ..وماذا بعد ؟
تقول الطرفة أن ثلاثة سودانيين شكلوا حزباً سياسياً في الخارج، ثم توصلوا لاتفاق مع السلطة الحاكمة، ونص الاتفاق على منح الحزب منصباً واحداً، وبعد وصولهم إلى مطار الخرطوم، تساءل أحد الأعضاء عن أيهم أحق بالمنصب؟ بادر الثاني بالاتصال بمجموعة من الصحافيين وعقد مؤتمراً صحفياً أعلن فيه فصل العضو المتسائل، بينما تم تجميد عضوية العضو الثاني.الطرفة تشير إلى حالة التشظي السودانية، ولا علاقة لها بطريقة مباشرة عن حال حزب ” المؤتمر السوداني” الذي تشهد أروقته الداخلية ” زوابع رعدية” و” أغبرة”. لا علم لي بتفاصيل ما يدور داخل المؤتمر السوداني، لكن المعلومة العامة المتوفرة لدي، وقبل انتشارها يوم أمس، تشير إلى أن الحزب أصدر قراراً بتجميد (( ١٧) عضواً وقيادياً، وشمل التجميد القيادي المعروف نور الدين صلاح الدين، ورئيس فرعية الحزب بولاية الخرطوم سليمان الغوث.كان يمكن التعامل مع قرار ” التجميد” بصورة طبيعية، فالمؤسسات ” الديموقراطية” لها نظمها ولوائحها، ولها كذلك فلسفتها التي تعينها على كيفية إدارة الخلافات الداخلية وتقريب وجهات النظر. مع تأكيد مصادر أن ” الخلافات ” قديمة، لكن يتخوف البعض من أن تكون للخلافات علاقة بالراهن السياسي وموضوع التوقيع على الاتفاق الاطاري، وهذا يعني أن الحزب الذي يشارك في عملية ” تشكيل مركز قيادة موحد” يشبه النجار صاحب ” الباب المخلع”، وبكل تأكيد سوف تنعكس الظلال السالبة على مجمل العملية السياسية. إن مسألة بروز تيارات متصارعة داخل حزب يمكن تصنيفه بأنه ” ليبرالي” يمكن التعامل معها بكل مرونة وداخل المؤسسات الديموقراطية، لكن الخوف أن يتجه فريق ” أي فريق، ولا أعني فريقاً بعينه” إلى اتخاذ وسائل غير ديموقراطية لفرض رؤيته، أو حل النزاع؛ هذا يعني المواجهة والمصادمة والتشظي.و يعني أن التيار الذي يفرض رؤاه بالقوة لم ينعتق من سياق الوعي السوداني السائد، المبني على الاقصاء ورفض الآخر، بل والقضاء عليه، ولم يتحرر من أسر أنماط التفكير التقليدية التي تعبر عن العقول المعيارية، أي أنها عقول خاضعة وتابعة، لا تمتلك أدوات التفكير النقدي.وهي حالة مرتبطة بطرائق تفكير عقلنا الجمعي المأزوم، حتى صارت الانقسامات ماركة سودانية، وطالت الانقسامات حتى الفرق الفنية” عقد الجلاد” و ” هيلاهوب” المسرحية مثالاً، فليس هناك من عمل منظم في السودان قائم على المؤسسية، واحترام الآخر.يمكن اعتبار أن ما يدور داخل أروقة المؤتمر السوداني ” جرس إنذار” يقرع عالياً للتنبيه والتحذير من حدوث مالات غير مستحبة؛ لا سيما وأن أداء الحزب تنظيمياً وإعلامياً يظل مثيراً للجدل، لا سيما بعد فترة الانتقال، والأعباء التي تحمل الحزب كثيراً من أوزارها؛ بسبب أخطاء تنفيذية للحكومة، أو أخطاء سياسية للحرية والتغيير أو للحزب نفسه، والذي يفرض عليه الواقع الانفتاح والخروج من صناديق نخبوية النادي السياسي السوداني.إن اختلاف الرأي ظاهرة طبيعية، وليس من العسير إدارتها ” داخل المؤسسات، الديموقراطية حيث يمكن الحوار والجدل، والتصويت، وقبل ذلك تكوين ” لوبيهات” لاتخاذ قرارٍ ما، طالما كانت ” اللوبيهات” ملتزمة بمبادئ المنظومة وموجهاتها العامة، وتقاليدها الديمقراطية.المعروف أن الأحزاب الليبرالية تحترم تعدد الأصوات، وتباين الآراء، واختلاف وجهات النظر، وتمتلك القدرة على إدارة ذلك داخل ” المواعين” التنظيمية، على عكس تقاليد الأحزاب العقائدية أو الطائفية التي تعتبر وجود تكتلات تنظيمية ” نشاطاً هداماً ” يستحق الحسم والبتر والفصل دون لجوء لتكوين لجان تحقيق، أو محاسبة، أو اجراء تصويت داخل المنظومة. للمؤتمر السوداني، تجارب ديموقراطية مشرقة، فهو الحزب السوداني الوحيد، الذي ظل يحرص على تداول السلطة سلمياً، حيث شارك في آخر مؤتمر أربعة رؤساء سابقون، وهذه ظاهرة لا تحدث إلا في النظم الديموقراطية العريقة، وأتمنى أن تمر ” الزوابع” وأن تمطر خيراً، وتزدهر ” سنابلاً” تثري العملية الديموقراطية.
صحفي سوداني
لماذا العزوف غير المسبوق عن المشاركة بعد الثورة؟
الكتابة عن تونس في هذه اللحظة المهمة مع انتخابات 17 ديسمبر التشريعية ( مجلس نواب الشعب إحدى غرفتي البرلمان وفق مشروع الرئيس قيس سعيد ) كانت تتطلب الذهاب إليها من أجل النظر بالعين. وتظل هذه الكتابة تطلب تفتح الحواس في الميدان على مختلف الأطراف والمستويات والتوجهات والميول من كبار المسئولين إلى المواطنين في الشوارع ومكاتب الإقتراع. إلا أن هذا لم يكن ممكنا بعد امتناع السفارة التونسية بالقاهرة عن منح كاتب هذا المقال تأشيرة دخول قبيل الاستفتاء على الدستور الجديد في 25 جويلية / يوليو الماضي ، وعلى نحو يعرقل عمله الصحفي ويحول بينه وبين الاعتياد والحرص على متابعة كل استحقاق انتخابي بعد الثورة التونسية(*).
وعلى أي حال، فلا عائق مهما كان تعسفيا غير مبرر بإمكانه دفع كاتب وصحفي متخصص في الشئون التونسية من الشغف بالمتابعة، ولو عن بعد، والإسهام في محاولة تفسير هذه اللحظة واستشراف تداعياتها.
وفي هذا المقال من ثلاثة أجزاء مجموعة ملاحظات أولية على ما جرى ويجرى بتونس، مع محاولة طرح أسئلة ومحددات عن المستقبل. وهذا بعدما جسدت نتائج وملابسات يوم 17 ديسمبر أزمة الرئيس “قيس سعيد” أو لنقل أزمة تونس والتي كانت تعد حتى انقلابه على المؤسسات المنتخبة والدستور، القصة الأكثر نجاحا وفرصا للتطور نحو المجتمع الديمقراطي و الدولة العصرية بعد الانتفاضات والثورات العربية في القرن الحادي والعشرين، ولو نسبيا.
عن “هستيريا” العشرية السوداء
بدأ مسار 25 جويلية / يوليو 2021 واستمر عبر محطاته المتتالية بدعم من قوى محلية داخل تونس وإقليمية ودولية خارجها . وجاءت انتخابات 17 ديسمبر 2022 التي “هندسها” الرئيس “سعيد” بمثابة أول ثمرة لدستوره الجديد، وبعدما عطل ثم ألغى دستور 2014 والبرلمان المنتخب في 2019. لكن هذه الانتخابات سجلت أدنى مشاركة وأعظم عزوف من الناخبين التونسيين منذ الاستحقاق الانتخابي الأول بعد الثورة التونسية في 23 أكتوبر 2011 (المجلس التأسيسي ) .
ولا تستطيع تكنيكات “الإنكار” و”التبرير” وبالإحالة إلى “علم النفس السياسي” إخفاء الحقيقة الصلبة والمجردة أن نسبة مشاركة أقل من 9 في المائة عن نحو 800 ألف ناخب ( قد ترفعها هيئة الانتخابات لاحقا إلى 11 في المائة) مخيبة لآمال “سعيد” وللقوى الداعمة له ولمشروعه. وهي بمثابة فشل كبير إذا ما قورنت بمعطيات الاستحقاقات الانتخابية لما وصفته دعاية جبارة عابرة للحدود انتشرت داخل تونس كالنار في الهشيم ـ وفجأة بعد 25 جويلية ـ “بعشرية سوداء” جلبتها ثورة 17 ديسمبر 2010 / 14 جانفي / يناير 2011. وبالفعل فإن ” العشرية السوداء” ، أصبحت تتصدر فجأة كمسلمة مفروغ منها وقناعة لا تقبل النقاش خطاب قطاعات كبيرة بين الساسة وأهل المجتمع المدني وعلى ألسنة عموم الناس في تونس، وحتى لو كانوا هم أنفسهم فاعلين ومباركين للكثير مما جرى خلال سنواتها.
ولقد بدا هذا الوصف / الوصم ” العشرية السوداء” بمثابة العنوان الرئيسي الذي يطفو فوق سيل جارف من المبالغات والإفتراءات والأكاذيب والتعميمات غير الموضوعية وغير العلمية. ناهيك عن كونه وبالأصل لغويا ودلاليا ينطوى على إحالات عنصرية بغيضة تلعب على التمييز ضد “الأسود” وإهانته وتحقيره. وبالطبع هناك فارق بين هذا الوصم وقد تحول إلى نوع من “الصمم ” و”حوار الطرشان” بفعل “هيستيريا جماعية” وكراهية لا تستثني الذات وبين وجهات نظر متعددة ظلت ومبكرا منذ 2011 تسعى لتقييم ونقد وتقويم مسار الانتقال إلى الديمقراطية بعد الثورة في تونس، ولا تغفل عن سلبياته وإخفاقاته، كما مكتسباته ونجاحاته.
الأرقام لا تكذب
وكي ندرك حجم الفشل الذي تجسده نتائج المشاركة في انتخابات 17 ديسمبر لننظر إلى المعطيات الإحصائية لكل التشريعيات السابقة. ونقارن مع تذكر أن المنحنى الصاعد لعزوف الناخبين كان وظل محل اهتمام ونقاش وبحث عن السلبيات مع طرح حلول لها، وإن لم تتوفر الإرادة السياسية الكافية لتجريبها. لكن بالطبع لم تصل الأمور أبدا لأقل من نسبة 9 في المائة، كما صرح بها مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المعين من الرئيس “سعيد”. وهي نسبة محل تشكيك من معارضيه ومراقبين مستقلين لم تعد عندهم ثقة في الهيئة ولا في معطياتها الاحصائية منذ الاستفتاء على الدستور الجديد 25 يوليو الماضي.
.. إذن لننظر إلى هذه المعطيات :
ـ في 2019اقترع نحو 2,9 مليون ناخب وبنسبة 41,1 في المائة من إجمالي المسجلين بإرادتهم، و البالغ عددهم نحو 7 ملايين.
ـ في 2014 كان الأعلى في نسب المشاركة (70,1 في المائة) والأدنى في العزوف، و حيث اقترع نحو 3,6 ملايين من إجمالي 4,9 ملايين في السجل الانتخابي.
ـ في 2011 ومع الاستحقاق الأول بعد الثورة، كان الرقم الأعلى من المقترعين ( 4,3 ملايين ناخب)، ويتجاوز أعداد الناخبين المسجلين إراديا بأنفسهم (4,1 ملايين). وقد حضر إلى لجان الاقتراع نحو 200 ألفا بالزيادة من خارج السجل الانتخابي. وتقدر مصادر تونسية نسبة المشاركة حينها بـ 54,1 في المائة بالنسبة إلى إجمالي الجسم الانتخابي ( من يحق لهم التصويت ).
بين المقاطعة والعزوف
وفي تفسير العزوف غير المسبوق منذ الثورة مع الاقتراع على الغرفة الأولى من “برلمان قيس سعيد” هناك افتراضات عديدة:
يمكن القول بفاعلية المقاطعة التي دعا إليها معارضو الرئيس ومشروعه، وهي معارضات أشبة بالجزر المتباعدة،وإن إتسعت وتنوعت وتوالدت حتى من رحم خزانه الداعم لحظة 25 جويلية 2021. والحاصل أن “سعيد” أخذ يفقد من مؤيديه مع كل محطة من محطات مشروعه، والذي توالت الشواهد على أنه يعيد انتاج حكم “الرئيس” الفرد واسع السلطات والصلاحيات، ويهمش المؤسسات،ويعتدي على الحريات والحقوق .
ويمثل جمهور المصوتين للأحزاب المعارضة الآن لـ “سعيد” غالبية ناخبي المجلس التأسيسي ثم البرلمانين اللاحقين جميعها، وباستثناءات نادرة ذهبت لقائمات المستقلين أو لأحزاب موالية اليوم للرئيس، وأبرزها وأهمها حزب “حركة الشعب” القومية الناصرية. وربما نجحت هذه الأحزاب الداعية لمقاطعة تشريعية 2022 في دفع غالبية من شاركوا بإيجابية في الاستحقاقات التشريعية السابقة للمقاطعة، أو عززت خيارهم هذه المرة بالعزوف.
كتلة سلبية تتسع
وقد نفترض من جانب آخر أن الكتلة السلبية سياسيا وانتخابيا الموروثة من زمن الدكتاتورية قبل الثورة استمرت في النمو والإتساع جراء عوامل عديدة ، ومن بينها مواصلة الإخفاق في التغيير وتحقيق أهداف من خرجوا للثورة على نظام الرئيس “بن على”. ويتقدم عوامل الإخفاق الأوضاع المعيشية الاقتصادية للطبقات العمالية والفلاحية والوسطى والعاطلين التي رفعت الثورة سقف طموحاتها في تغييرها وتحسينها وسريعا دون أن تجد تلبية وإشباعا من الحكومات المتعاقبة على مدى مايقرب من 12 عاما، وبما في ذلك عهد الرئيس ” قيس سعيد”. بل تفاقمت معاناة هذه الطبقات بعد انفراده بالسلطات منذ 25 جويلية 2021. والمعروف أن العديد من الباحثين يجدون ارتباطا بين ضعف و انخفاض المشاركة السياسية والانتخابية وبين سوء وتدهور الأوضاع المعيشية الاقتصادية. وهو ما انتهى إليه كتاب قيد النشر لصاحب هذا المقال بعنوان “المظاهرة والصندوق: الاحتجاجات الاجتماعية والانتخابات البلدية بتونس2018” يقوم على ملاحظات ومقابلات من الميدان في العديد من المدن والأحياء التونسية.
و بالأصل كان بالإمكان الانتباه بداية إلى هذه الكتلة السلبية الوازنة مع انتخابات أكتوبر2011 وبنسبة تقدر بنحو 45 في المائة. وهذا في ظل ذروة الآمال في بناء نظام حكم وسياسة يقطع مع ما كان قبل الثورة من تغول سلطة رئيس الدولة وحزبه الحاكم وبرلمان بلا صلاحيات حقيقية إزاء السلطة التنفيذية، ويحقق المواطنة والثقة في صندوق الاقتراع والأمان في ممارسة السياسة بالاستقلال عن السلطة دون مخاطر وتكاليف القمع والاضطهاد. و بالطبع يرعى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ويحسن من مستويات المعيشة والعدالة الاجتماعية وتوزيع عوائد العمل والثروات. ولاحقا زاد وزن هذه الكتلة السلبية ليبلغ مع تشريعية أكتوبر 2019 نحو 59 في المائة. وهذا السلوك الانتخابي السلبي يحدث بالنسبة للعديد من تجارب الانتقال إلى الديمقراطية بعد الثورات في أنحاء العالم. وهي بحق ظاهرة معضلة تناقشها وتعالجها كتب ودراسات بلا حصر.
لكن يقينا واليوم على ضوء نتائج انتخابات 17 ديسمبر2022 يتضح أن المسار والمناخ الذي تحكم فيه بدرجة كبيرة الرئيس “قيس سعيد” ومؤيدوه محليا وإقليميا قد تسبب في قفزة كبرى لافتة بالنسبة لنمو كتلة المواطنين السلبيين. وهذا على خلاف ما ادعاه وداعموه من أنه سيعيد السياسة إلى الشارع، ويحقق ما أسماه “الديمقراطية المباشرة”، ويقلب موازين العلاقة بين المواطن الناخب والنائب الذي يمثله لصالح الأول. وأيضا على خلاف ما جرى روجته قمة هرم السلطة التنفيذية المهيمنة المتسلطة على مدي الشهور الماضية من تصورات “طوباوية” لم تختبر عن أفضلية نظام الانتخاب والتمثيل الفردي القائم على علاقة مباشرة مع الناخبين وفي دوائر محدودة جفرافيا وشبة متجانسة، وحتى لو باستدعاء وإحياء انتماءات وروابط العائلات و العصبيات الجهوية و العروشية. و كذا على خلاف الترويج “لطوباوية” سحب الناخبين الوكالة ممن انتخبوه ليمثلهم.
وعلى عكس كل ماسبق، جاء العزوف غير المسبوق بعد الثورة يوم اقتراع 17 ديسمبر 2022 كي نتذكر ولينبهنا إلى أن مناخ المنافسة السياسية الحزبية والفكرية الذي صاحب انتخابات 2014 أسفر عن أعلى نسبة مشاركة في انتخابات تشريعية بعد الثورة. كما ينبهنا كذلك إلى أن انتخابات ما بعد الثورة مباشرة و بشهور سجلت بدورها أعلى رقم بالمطلق في مشاركة الناخبين. في تلك الأيام التي كنت شاهدا عليها من الميدان بتونس كان النقاش والجدل في الشأن العام والسياسة وحول المأمول من دستور الثورة على قارعة الطريق، ويتبلور في تيارات ويتنظم في أحزاب ومنظمات وغيرها من الأجسام الوسيطة بين السلطة والمواطنين، وعلى المستوى الوطني المتجاوز للانتماءات المحلية والجهوية.. وغيرها من انتماءات قد تعيد التونسيين إلى عصر ما قبل المواطن.
(*)تقدمت إلى السفارة التونسية في القاهرة يوم 13 يونيو 2022 بطلب تأشيرة دخول تسمح بالسفر إلى تونس قبل الاستفتاء على الدستور الجديد يوم 25 يوليو 2022، مع إرفاق كافة الأوراق المطلوبة وزيادة. ودفعت مقدما رسوم التأشيرة التي بلغت حينها 2200 جنيها لسفرة واحدة. ولما لم أتلق ردا على الطلب، راسلت سفير تونس بالقاهرة السيد / محمد بن يوسف على بريد السفارة الإلكتروني بتاريخ 20 يوليو 2022، ولم يتفضل بالرد أيضا. وراجعت شباك التأشيرات بالسفارة التونسية في الزمالك للمرة الأخيرة قبل موعد الاستفتاء لأرفق المزيد من الأوراق ومن بينها صورة من تصريح (بادج ) الهيئة العليا للانتخابات في تونس لي كصحفي أجنبي بتغطية الاستفتاء هناك ومخاطبات من الزميل الأستاذ/ مجدي شندي رئيس تحرير جريدة ” المشهد” المصرية للسفير ولهيئة الانتخابات. ولليوم لم أتلق ردا أو تفسيرا لامن السفارة أو أي جهة تونسية، كما لم استرجع ما دفعت من رسوم. وبدورها لم تتلق النقابة الوطنية للصحفيين التونسين ردا أو تفسيرا من الجهات التي تفضلت بمخاطبتها في تونس العاصمة بشأن عرقلة عملي الصحفي . وبالطبع هذه سابقة بالنسبة لصحفي مصري قام بزيارات متعددة لتونس اعتبارا من سبتمبر 2011، وقام بتغطية كافة استحقاقاتها الانتخابية قبل استفتاء 25 يوليو 2022، وكان مقيما بتونس كمراسل صحفي “للأهرام ” بين نوفمبر 2016 و بلوغه الستين عام 2018. ولم يخالف يوما القوانين التونسية أو يتجاوز توقيت أي تأشيرة دخول أو تصريح إقامة. واللافت أن تجري هذه السابقة معه له سبعة كتب والعديد من الدراسات والمقالات والحوارات وكافة فنون الكتابة الصحفية في الشئون التونسية، بينما تحتفل مصر وتونس بعام الثقافة المشتركة بينهما.
اللى ميعرفش يقول عدس. حكاية مثل شعبي ابتدعه بقال بسبب حادث سرقة .
تعتبر الأمثال الشعبية نتاج الروافد الثقافية، وهي خير معبر عن التراث الشعبي لأي مجتمع؛ كما تشكل هذه الأمثال وعي المجتمع نحو الحلال والحرام، واحترام القيم، وتمثل أيضا أهم دلالات الحكمة والخبرة.
ونستعرض فى هذا التقرير أحد أهم الأمثال الشعبية المصرية المتوارثة منذ عصور وتاريخ ومناسبة هذا المثل وهو “اللى ميعرفش يقول عدس”، الذي يستخدم للتعبير عن أن من لايعرف بواطن الامور وحقيقتها لاعتاب عليه فى ان يقول مايشاء بجهل .
وتعود قصة هذا المثل الشعبى إلى رجل بقال فى قديم الزمان كان يبيع في دكانه العدس والفول والبقوليات عامة، فهجم عليه لص وسرق نقوده وجرى، فهم التاجر بالجري خلفه .. وفي أثناء جرى اللص واستعجاله تعثر في شوال العدس، فوقع الشوال وتبعثر كل ما فيه.
فلما رأى الناس شوال العدس وقد وقع على الأرض، والتاجر يجري خلف اللص، ظنوا أن اللص قد سرق بعض العدس وهرب، وأن التاجر يجري خلفه من اجل العدس.. لذلك قاموا بلوم التاجر وعتبوا عليه و قالوا له “كل هذا الجري من أجل شوال عدس؟! أما في قلبك رحمة ولا تسامح؟!”، فرد التاجر الرد الشهير الذي نعرفه حتى اليوم وقال “اللي ميعرفش يقول عدس” .
كاتب مصري


