أخبار عاجلة

ذهب السودان يشعل الحرب.. كيف تحوّل المعدن الأصفر إلى وقود الصراع بين الجيش والدعم السريع؟

سحر رجب

لم تعد الحرب في السودان تُقاس فقط بعدد المدن التي يسيطر عليها الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، ولا بحجم المعارك الدائرة في الخرطوم ودارفور وكردفان، بل أصبحت هناك جبهة أكثر تأثيرًا وأقل ظهورًا تتحكم في مسار الصراع، وهي “جبهة الذهب”.

فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تحوّل الذهب السوداني من مورد اقتصادي استراتيجي إلى شريان رئيسي لتمويل العمليات العسكرية، في ظل انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الإيرادات العامة، واتساع اقتصاد الحرب والتهريب عبر الحدود.

وبات المعدن الأصفر أحد أهم مفاتيح النفوذ العسكري والسياسي داخل السودان، حيث تتداخل المناجم، وشبكات التهريب، والحدود المفتوحة، مع المصالح الإقليمية والدولية، لتشكّل معادلة معقدة يصعب فصل الاقتصاد فيها عن الحرب.

ويعد السودان من أبرز منتجي الذهب عالمياً، حيث حقق إنتاجاً قياسياً بلغ 70 طناً في 2025، ويحتل مركزاً ضمن الأربعة الكبار في أفريقيا. يرتكز الإنتاج في ولايات نهر النيل، البحر الأحمر، والشمالية، بالإضافة إلى جبل عامر في دارفور، ويعتمد بشكل كبير على التعدين الأهلي

الذهب.. الاقتصاد البديل للحرب في السودان

مع تعطل قطاعات الدولة التقليدية وتراجع الصادرات الرسمية، أصبح الذهب المورد الأسرع والأكثر مرونة لتمويل أطراف النزاع، نظرًا لسهولة استخراجه ونقله وبيعه خارج النظام المصرفي الرسمي.

وتكمن خطورة الذهب السوداني ليس فقط في قيمته المالية، بل في جغرافيته أيضًا، إذ انقسمت خارطة الإنتاج والسيطرة بالتوازي مع الانقسام العسكري داخل البلاد.

مناطق الجيش السوداني

يسيطر الجيش على مناطق إنتاج وتصدير مهمة في: البحر الأحمر، ونهر النيل، والولاية الشمالية، وأجزاء من جنوب كردفان، والنيل الأبيض.

مناطق قوات الدعم السريع،

بينما تهيمن قوات الدعم السريع على أبرز مناطق الذهب في دارفور، وعلى رأسها: جبل عامر في شمال دارفور، ومناجم سنقو في جنوب دارفور، ومسارات تهريب تمتد إلى تشاد وليبيا وجنوب السودان.

وبين هذين المعسكرين، نشأ اقتصاد موازٍ عابر للحدود، لا يخضع لرقابة البنك المركزي ولا لمؤسسات الدولة، يعتمد على التعدين الأهلي والوسطاء وشركات الواجهة وشبكات التهريب القبلية والإقليمية.

أرقام تكشف حجم الذهب السوداني

وفق بيانات رسمية من مناطق سيطرة الجيش، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال الأعوام الثلاثة الماضية:

34.5 طنًا في 2023

64 طنًا في 2024

70 طنًا في 2025

ليصل الإجمالي إلى نحو 168.5 طنًا.

لكن هذه الأرقام لا تشمل: مناطق سيطرة الدعم السريع

التعدين الأهلي غير المسجل، والذهب المهرب خارج القنوات الرسمية.

وتشير تقديرات منظمة “سويس أيد” إلى أن ما بين 50% و70% من الذهب السوداني يتم تهريبه سنويًا، بينما خرج ما لا يقل عن 400 طن من السودان بين عامي 2012 و2024 عبر شبكات غير رسمية.

التعدين الأهلي.. قلب اقتصاد الذهب

ورغم وجود قوانين وأسواق مرخصة وشركات امتياز، فإن العمود الفقري الحقيقي لقطاع الذهب في السودان هو التعدين الأهلي.

وتشير دراسات اقتصادية إلى أن التعدين التقليدي والصغير أنتج أكثر من 53 طنًا من الذهب في عام 2024، أي ما يعادل نحو 83% من إجمالي الإنتاج الرسمي المعلن، بينما بقي إنتاج الشركات الصناعية الكبرى محدودًا نسبيًا.

ويعمل ملايين السودانيين في التعدين الأهلي داخل أكثر من 266 موقعًا موزعة على 12 ولاية، في ظل ضعف الرقابة الأمنية والمالية، ما يجعل القطاع بيئة خصبة للتهريب وغسل الأموال وتمويل الحرب.

جبل عامر.. المنجم الذي غيّر ميزان القوة

يُعد “جبل عامر” في شمال دارفور أبرز رمز لاقتصاد الحرب في السودان، بعدما تحول من منطقة تعدين أهلية إلى مركز نفوذ استراتيجي لقوات الدعم السريع.

ومنذ سيطرة الدعم السريع على المنطقة عام 2017، أصبح الذهب عنصرًا أساسيًا في تمويل القوة العسكرية والاقتصادية للقوات.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على شركة “الجنيد” في يونيو 2023، متهمة إياها بالاستفادة من عائدات الذهب في تمويل قوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن الشركة وشبكاتها المرتبطة بعائلة دقلو تنشط في عدة قطاعات، أبرزها الذهب.

ولا تكمن أهمية جبل عامر في حجم إنتاجه فقط، بل في موقعه داخل شبكة طرق تهريب إقليمية تمتد عبر تشاد وليبيا ومناطق صحراوية مفتوحة، حيث يصعب تتبع مصدر الذهب أو وجهته النهائية.

الإمارات والذهب السوداني.. جدل مستمر

وتاييد الجدل خلال الفترة الأخيرة بشأن الوجهات الإقليمية للذهب السوداني، خاصة مع اتهامات متبادلة حول دور الأسواق الخارجية في استقبال الذهب القادم من مناطق النزاع.

وفي تصريحات إعلامية، قال المسؤول الإماراتي علي راشد النعيمي إن الذهب الذي يصل إلى الإمارات “يأتي من الجيش السوداني”، نافياً أي تورط إماراتي في “نهب الذهب السوداني”، ومشيرًا إلى وجود أطراف تستفيد من استمرار الحرب.

لكن غياب آليات تتبع شفافة للذهب السوداني يزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع انتقال المعدن عبر عدة دول وأسواق قبل دخوله مراكز التكرير والتجارة الدولية.

صمت المؤسسات يثير التساؤلات

وخلال تحقيقات صحفية أُرسلت استفسارات إلى جهات سودانية وإقليمية مرتبطة بقطاع الذهب، من بينها:بنك السودان المركزي، ووزارة المالية السودانية، والشركة السودانية للموارد المعدنية، وبورصة دبي للذهب.

وتضمنت الأسئلة آليات التحقق من منشأ الذهب، وسياسات التصدير، والإجراءات المتخذة لمنع استخدام العائدات في تمويل الحرب.

لكن عدم تلقي أي ردود رسمية حتى الآن يطرح تساؤلات كبيرة حول مستوى الشفافية والرقابة، ويزيد من المخاوف بشأن استمرار تدفق الأموال إلى أطراف النزاع.

الذهب يطيل أمد الحرب السودانية

ويرى محللون أن أخطر ما في اقتصاد الذهب السوداني هو أنه يمنح أطراف الحرب قدرة على الاستمرار بعيدًا عن مؤسسات الدولة والاقتصاد الرسمي.

فطالما بقيت المناجم ومسارات التهريب تعمل، ستظل الحرب قادرة على تمويل نفسها، حتى مع تراجع الدعم الخارجي أو الضغوط السياسية.

كما أن غياب نظام دولي فعّال لتتبع الذهب القادم من مناطق النزاعات يجعل الأسواق العالمية جزءًا غير مباشر من اقتصاد الحرب، سواء عبر الشراء أو التكرير أو إعادة التصدير.

السودان بين الثروة والفوضى

يمتلك السودان واحدًا من أكبر احتياطات الذهب في أفريقيا، لكن هذه الثروة تحولت في ظل الحرب إلى عامل إضافي لتعميق الانقسام والصراع.

وبدلاً من أن يكون الذهب أداة لإنعاش الاقتصاد، أصبح وقودًا لمعركة مفتوحة تتداخل فيها المصالح العسكرية والقبلية والإقليمية والدولية.

ومع استمرار الحرب، تبدو “خريطة الذهب” أكثر تأثيرًا من خرائط السيطرة العسكرية نفسها، لأن من يسيطر على الذهب، يملك القدرة على شراء السلاح، وتأمين الولاءات، وإطالة أمد الصراع.

عن وجه افريقيا