سحر رجب
في تصعيد جديد للحرب الدائرة في السودان، قُتل 15 مدنيًا وأصيب 9 آخرون، بعضهم في حالة خطيرة، إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدف مركبة نقل مدنية على طريق يربط بين ولايتي جنوب وغرب كردفان، وسط إدانات واسعة وتصاعد المخاوف من تزايد استهداف المدنيين في مناطق النزاع.
وبحسب مصادر محلية، كانت المركبة تقل عشرات الركاب من قرية “خُمي” بولاية جنوب كردفان إلى مدينة أبوزبد بولاية غرب كردفان، عندما تعرضت لهجوم جوي نُسب إلى طائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني.
تصاعد الهجمات الجوية في السودان
الحادثة أعادت إلى الواجهة ملف الضربات الجوية التي تشهدها مناطق دارفور وكردفان، والتي تسببت خلال الأشهر الأخيرة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وسط اتهامات متبادلة بين أطراف النزاع.
ووصفت جهات سياسية ومدنية سودانية الهجوم بأنه “امتداد لعمليات استهداف المدنيين”، محذرة من اتساع رقعة العنف وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
وقال تحالف “تأسيس” إن الهجوم يمثل “سياسة ممنهجة لاستهداف المدنيين والبنى المدنية”، معتبراً أن استمرار هذه العمليات يهدد بمزيد من الفوضى والانهيار الأمني.
سلسلة هجمات دامية في دارفور وكردفان
ويأتي الهجوم بعد أسابيع من حوادث مشابهة أثارت جدلاً واسعاً داخل السودان وخارجه، من بينها قصف استهدف حفل زفاف بمدينة كتم في ولاية شمال دارفور خلال أبريل الماضي، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم نساء وأطفال.
كما تعرض مستشفى مدينة الضعين بولاية شرق دارفور لقصف في مارس الماضي، أدى إلى مقتل وإصابة العشرات، وفق تقارير محلية وأممية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 700 مدني قُتلوا منذ بداية العام الجاري نتيجة ضربات نفذتها طائرات مسيرة في مناطق مختلفة من السودان.
كارثة إنسانية تتفاقم
وتسببت الهجمات المتكررة في تعطيل الحياة اليومية داخل ولايات دارفور وكردفان، حيث يواجه السكان أوضاعاً إنسانية صعبة مع تراجع الخدمات الأساسية ونقص الغذاء والدواء.
لماذا تتصاعد الضربات ضد المدنيين في السودان؟
تكشف حادثة قصف المركبة المدنية في كردفان عن مرحلة أكثر خطورة في الحرب السودانية، حيث لم تعد المواجهات مقتصرة على الاشتباكات العسكرية المباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجيًا إلى حرب استنزاف واسعة تستخدم فيها الطائرات المسيّرة والقصف بعيد المدى، مع ارتفاع متزايد في أعداد الضحايا المدنيين.
أولاً: تحوّل خطير في طبيعة الحرب
منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، اعتمد الطرفان بشكل متزايد على الأسلحة الجوية والطائرات المسيّرة، خصوصًا بعد اتساع رقعة القتال وصعوبة السيطرة البرية الكاملة على الأقاليم الغربية مثل دارفور وكردفان.
الهجوم الأخير يعكس عدة مؤشرات مهمة:
توسع استخدام المسيّرات في مناطق مدنية مفتوحة.
تراجع القدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
انتقال الحرب إلى مرحلة “الضغط المجتمعي” عبر إنهاك السكان المحليين وقطع طرق الحركة والإمداد.
وهذا النوع من الحروب غالبًا ما يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وخلق موجات نزوح جديدة.
ثانياً: كردفان ودارفور أصبحتا مركز الثقل الحقيقي للحرب
رغم الاهتمام الإعلامي بالعاصمة الخرطوم، فإن التطورات الميدانية تشير إلى أن دارفور وكردفان تحولتا إلى الساحة الأخطر في الصراع السوداني لعدة أسباب:
1. الموقع الجغرافي الاستراتيجي
كردفان تمثل نقطة ربط بين غرب السودان ووسطه، كما أنها ممر حيوي للإمدادات والتحركات العسكرية.
2. التداخل القبلي والمسلح
المنطقة تضم مجموعات قبلية ومسلحة متعددة، ما يجعل أي تصعيد عسكري قابلًا للتحول إلى صراع أهلي واسع.
3. الموارد الاقتصادية
الإقليم يحتوي على موارد مهمة مثل النفط والذهب والمراعي، وهو ما يزيد من حدة التنافس العسكري عليه.
ثالثاً: لماذا تتزايد اتهامات استهداف المدنيين؟
هناك عدة عوامل تفسر تكرار الحوادث التي تطال المدنيين:
ضعف المعلومات الاستخباراتية الميدانية.
الاعتماد على الضربات الجوية السريعة.
اختلاط التحركات المدنية بالعسكرية في مناطق النزاع.
استخدام بعض الطرق المدنية لأغراض لوجستية من قبل الجماعات المسلحة.
لكن في المقابل، تتصاعد اتهامات حقوقية وسياسية بأن بعض الهجمات تحمل طابعًا “عقابيًا” ضد مناطق يُشتبه بدعمها لطرف معين في الحرب.
رابعاً: الأمم المتحدة تقترب من توصيف أكثر حدة
تصريحات مسؤولي الأمم المتحدة بشأن مقتل مئات المدنيين بالطائرات المسيّرة تشير إلى أن المجتمع الدولي بدأ ينظر بقلق أكبر إلى طبيعة العمليات العسكرية في السودان، وفي حال استمرار استهداف المناطق المدنية، قد تتجه منظمات دولية للمطالبة بـ: تحقيقات مستقلة في الهجمات الجوية، وفرض عقوبات إضافية، وتوسيع الضغوط الدولية على أطراف النزاع، وإعادة طرح فكرة الحظر الجوي أو الممرات الإنسانية الآمنة.
خامساً: ما الذي تعنيه هذه التطورات سياسيًا؟
الحادثة تعكس أيضًا فشل المسارات السياسية حتى الآن في احتواء الحرب، إذ لا توجد مؤشرات حقيقية على قرب التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
بل على العكس، يبدو أن: كل طرف يحاول تحسين موقعه العسكري قبل أي مفاوضات.
الحرب تتجه نحو مزيد من “اللامركزية” والفوضى.
التدخلات الإقليمية والدولية أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، خاصة في المناطق الريفية البعيدة عن التغطية الإعلامية والخدمات الإنسانية.
وحادثة كردفان ليست مجرد هجوم معزول، بل مؤشر على تحول الحرب السودانية إلى صراع طويل عالي الكلفة الإنسانية، تُستخدم فيه أدوات عسكرية متطورة داخل بيئة هشة ومفتوحة.
ومع استمرار الانهيار الأمني والاقتصادي، تتزايد المخاوف من دخول السودان مرحلة أكثر تعقيدًا قد تمتد آثارها إلى دول الجوار ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي بأكملها.
ويعيش السودان منذ أبريل 2023 حرباً دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية والهجمات الجوية ضد المناطق المدنية يزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب
